“دعارة الطالبات” بين الوهم والحقيقة

كثيرا ما يثار الحديث عما يمكن أن نصفه “بالاستغلال الجنسي للطالبات” أو “بدعارة الطالبات”، ما يطرح عدة تساؤلات حول صحة وجود وانتشار هذه الظاهرة بالجامعة المغربية، خاصة ما يخص نسبة الطالبات اللواتي يجدن أنفسهن وسط عتمة سوق النخاسة الجنسية، أو ما يتعلق بالدوافع التي تدفعهن إلى ذلك وكذا المألات التي تتمخض عن تجاربهن. كما أن هذا الموضوع يتميز بتداخل النقيضين، الدعارة بوصفها ممارسة مرفوضة اجتماعيا وأخلاقيا داخل أغلب المجتمعات البشرية، وبين المعرفة المطلوبة حضاريا لدى كل الأمم، الشيء الذي يستوجب الابتعاد عن الأحكام المسبقة والخلاصات المحكومة بخلفية المجتمع الذكوري، هذا المجتمع الذي لا يختلف اثنان عن كونه يتحامل ثقافيا على المرأة والطالبات، خصوصا في ظل غياب الشروط الموضوعية التي توفر المناخ المعرفي الصائن للكرامة.

في هذا الاستطلاع الصحافي، حاولت “آشكاين”، معالجة “دعارة الطالبات” على أسس موضوعية لعلها تقدم لقرائها قراءة بعيدة عن الأفكار النمطية والاستحضار المبالغ فيه الذي توحي به الأعراف الثقافية، لدى عملت على عرض تجارب حية لطالبات في “عالم الدعارة”، بالإضافة إلى مواقف الحركة النسائية المغربية بشقه المدني والديني، وكذا وجهة نظر السيسيولوجيا.

البداية كانت من إحدى الكليات التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، مع الطالبة الباحثة هند (اسم مستعار) التي تنحدر من إحدى مداشر الصحراء الشرقية، قصت لنا عن تجربتها في “عالم الدعارة” التي أثرت بشكل عميق ليس على حياتها ومستقبلها فقط، بل حتى على أناس أخرين، قالت “أنا أنتمي لأسرة متوسطة الحال، محافظة كباقي العائلات في بلدتي، ودخولي إلى هذا العالم ليس له علاقة بالفقر أو بأني طالبة، فقط هي “الزيغة والصحبة الخاسرة”، على حد تعبيرها.

الجمع بين الدعارة والتحصيل العلمي

تابعت هند، والابتسامة تعلو محياها، “أش نقولك جمعني القدر في السكن الجامعي، بإحدى الطالبات التي كانت تهوى السهر وتستعين بالدعارة لقضاء حوائجها التي عجزت اسرتها عن تلبيتها”، وزادت، “مع مرور عشرات الأيام، أصبحت قريبة مني أكثر من غيرها من الطالبات، بسبب تعاملها اللطيف، وكانت تحكي لي كل يوم عما فعلته بالأمس من مغامرات جنسية، وعن الأموال والهدايا التي حصلت عليها”.

لم يمضي وقت طويل، حتى استمالة الصديقة صديقتها، وأدخل الفضول هند إلى “طريق وصلت فيه إلى نقطة اللاعودة” كما قالت، قبل أن تضيف وقد أشعلت سيجارتها وهي تشرب قهوة الصباح بمقصف الكلية، “الطريق بدأ من إحدى كباريهات حي حمرية الراقي بمكناس، ولم ينتهي بي في إحدى الشقق المفروشة أو الفنادق فقط، بل أوصلني إلى أن أصبحت أما عازبة”. مضيفة “عندما ولجت أول مرة إلى الكباريه شعرت بالغرابة الممزوجة بالفرح، خاصة أني كنت أحصل على 200 درهم في الليلة دون ممارسة للجنس، فقط مقابل تبادل القبل وملامسة المناطق الحساسة من جسمي أو جسم الزبون، وذلك طيلة الأسداس الأول من مساري الجامعي”.

وفي إحدى الأيام التقت هند بشاب من العائلات الميسورة بالعاصمة الإسماعيلية، يدرس في نفس الكلية، والذي، تقول: “راني في الكباريه،ونشئت فيما بيننا علاقة غرامية مبنية على الجنس مقابل المال بواجهة الحب، حيث اكترى لي منزلا بحي قريب من الكلية لأني كنت أعاني من بعد الحي الجامعي عن مكان الدراسة”، لم يصبح هذا المنزل محل سكن وخلوة للعاشقين، “بل كان يرتاد عليه أصدقائه مع عشيقاتهم في سهرات أدمنت فيها على التدخين وألفت شرب الخمر وغير ذلك” وفق تصريحها.

وأردفت المتحدثة، “استمرينا على هذا الحال لمدة سنتين تقريبا،وكنت أقضي كل أيام العطلة بمكناس ولا أذهب إلى بلدتي إلا حوالي 20 يوما في عطلة نهاية الموسم الجامعي، مبررة ذلك أمام “عائلتي بأني أشتغل كاتبة لدى أحد مكاتب الموثقين وأن ذلك يدخل في إطار دراستي”. لكن لما اكتشفت هند أنها حامل في الشهر الثاني، بدأت بداية النهاية في صورة درامية متمردة على تقاليد المجتمع.

تحكي هند، وهي ترشف القهوة وبنبرة هادئة، “قلت له أني حامل، فخيرني بين الإجهاض وإنهاء علاقتنا، لكن أنا رفضت أن اقتل جزءا مني، وفضلت أن يرحل مقابل أن يقوم بتعويضي بمبلغ مالي جد محترم، فأودعت ولدي عند إحدى عماتي وأذهب كلما سمحت لي الظروف بزيارته”، وزادت “سأحضر طفلي إلى جواري ولن أتركه يحتاج لأي شيء أو يشعر بنقص”، وذلك بمجرد حصولها على فرصة عمل التي تخولها لها شواهدها الجامعية.

أجابت المتحدثة، عن سؤال “آشكاين”، فيما إذا كانت قد ندمت عن خوضها هذه التجربة، قائلة: ” هذا مكتاب الله أو وخا نندم مغادي نغير والو”، واستدركت حديثها وهي مبتسمة وأصابعها تداعب السيجارة الثالثة التي دخنتها خلال لقائنا بها، ” رغم أن هذه التجربة كانت مرة، فلقد عشت تجارب مشابهة ولا زلت كذلك، وسأشعر بالندم في حالة واحدة، إذا كان وضعي كأم عازبة يمنعني من الحصول على وظيفة عمومية أو امتهان المحاماة التي أستعد لاجتياز امتحانها في السنة المقبلة”.

تشكل هند حالة من الحالات القليلة للطالبات اللواتي يمتهن الدعارة، ومع ذلك تحرصن على استكمال دراستهن. هذا ما سنكتشفه في شهادات باقي الطالبات التي التقتهم “آشكاين”، واستمعت لقصصهم المليئة بأحداث تتشابه في بعض الأحيان، وتختلف أحيانا كثيرة فيما يخص الدوافع والنهايات.

السياحة الجنسية وهجرة الطالبات

قصة إيمان (اسم مستعار) تختلف عن سابقتها، فهذه الفتاة السمراء الممشوقة القد، البالغة من العمر 23 سنة، التي التقيناها بإحدى مقاهي وسط مدينة الرباط بعد أن أقنعها أحد الوسطاء بالحديث ل “آشكاين” عن تجربتها في عالم بائعات الهوى، انتقلت من مدينتها بوسط المغرب، إلى الدار البيضاء التي قضت بها سنة ثم إلى الرباط، لاستكمال دراستها بعد حصولها على البكالوريا بميزة مستحسن.

تقول إيمان، ” توفي والدي وعمري لا يتجاوز 3 سنوات، فتزوجت أمي من رجل أخر أنجبت منه 3 إخوة لي، فلما حصلت على البكالوريا رفض هذا الأخير أن أكمل دراستي بدافع أنه لا يستطيع تأمين قوت عيش الأسرة، ناهيك عن توفيره مصاريف دراستي بعيدا عن مدينتي، وطلب مني أن أتزوج من أحد زملائه في بيع الخضر، لكن رفضي لاختياره، أدخلني في عدة مشاكل وضيق عني الخناق، ولولا ضغط الوالدة وبعض أصدقاء العائلة، ما كان له أنيسمح لي بالتسجيل في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، التي كنت أذهب إليها في مرات قليلة خاصة فترة اجتياز الامتحانات”.

وبسبب عدم تمكن إيمان من النجاح في سنتها الجامعية الأولى، انتقلت للدراسة بجامعة محمد الخامس بالرباط، لعلها تتجاوز مشكل مواكبة دروسها، خاصة بعدما” وافقت خالتي التي تسكن في إحدى الجماعات الحضرية المحيطة بالرباط، على أن أستقر بمنزلها، فكانت الأمور في أفضل الأحوال، لكن خلاف نشب بيني وبين ابنتها، ومع تعدد وكثرة الإهانات اضطررت علىالخروج من منزلهم والالتحاق بالحي الجامعي مولاي إسماعيل، بمساعدة شخص تعرفت عليه خلال فترة تواجدي ببيت خالتي، وتحول علاقتي معه من عاطفية إلى جنسية، فقدت إثرها عذريتي”. بحسب قول المتحدثة.

وتسترسل إيمان حديثها، وهي تلاعب سلسلة ذهبية على عنقها، “لما رجعت من العطلة البينية، قلب علي أو سد التلفون وزرته الكثير من المرات بالمنزل الذي كنت أرتاد عليه فيه بمدينة سلا، ولم أتمكن من الوصول إليه، عندها فكرت في تقديم شكاية لدى مصالح الأمن، وعدلت عن ذلك لأني سمعت من عدد من صديقاتي، أني لن حصل على شيء من وراء شكايتي”.

مرت يتيمة الأب بأيام من الحزن والحسرة، “والدنيا دارت عليا”، حسب تعبيرها، لكنها ظنت أن جرحها سيندمل، غير أن “نفاق وقساوة المجتمع وقلة الحيلة والفقر جعلت الجرح يتعفن”، وأردفت: “فتولدت لدي فكرة امتهان الدعارة للحصول على كل ما أرغب، فكما حصلت على السكن الجامعي مقابل الجنس، بدأت أحصل على كل متطلباتي، بل أصبحت أرسل لأمي مبلغ متواضع كل شهر للمساعدة في إعانة إخوتي اللدين لازالوا في مراحل الدراسة الثانوية والإعدادية خاصة أني وقعت فيما كنت أخشاه ولم يعد لي ما أخسره”.

ويتكون زبناء إيمان، من السياح الخليجين والأوربيين، وأجابت وقهقرة ضحكتها سمعت في أرجاء المقهى، عن سبب عدم إقبالها على الباحثين عن الشهوة الجنسية من أبناء بلدها، قائلة: كنت في البداية أرافق بعض الرجال المغاربة لكن ” متيطهلاوش فيا” مثل الأخرين، وكشفت كذلك أنها مارست “الجنس مع بعض الأساتذة الذين درست عندهم، مقابل المال والحصول على نقطة تخول لي النجاح”.

وفيما يخص، المبالغ التي تجنيها المتحدثة مقابل كل ليلة حمراء، رفضت الكشف عنها، مكتفية بالقول، “ما أجنيه يسمح لي بتوفير كل حاجياتي من سكن ومأكل وتنقل وملبس وكل ما تحتاجه الزينة،بالإضافة إلى مساعدتي لأسرتي في تغطية متطلبات الحياة، وادخار بعض المال”.

وترى إيمان، أن مستقبلها بالمغرب “انتهى”، بحيث “سأكتفي بالحصول على شهادة الإجازة، وبعد ذلك سأهاجر خارج المغرب لبداية حياة جديدة، فأنا أفضل الهجرة إلى أوروبا لعلي أحظى بزوج يقدرني كزوجة ولا ينبش في الماضي، وقد أهاجر إلى الخليج الذي سمعت عن عدد من الفتيات اغتنين بعد ذهابهم هناك”. وفق تعبيرها.

الاغتصاب الجنسي مقدمة لامتهان الدعارة

أمام رفض بعض الطالبات الممتهنات للدعارة اللواتي عرضنا عليهن المشاركة في هذا الاستطلاع الصحافي، بعد تواصلنا معهن إما بشكل مباشر أو عبر وسطاء، اتصلنا بإحدى الجمعيات المهتمة بشؤون النساء بمدينة فاس، التي ربطت لنا الاتصال بإحدى ضحايا الاغتصاب الجنسي، وتسمى حسناء (اسم مستعار)، تسكن بأحد الأحياء الشعبية انقلبت حياتها رأسا على عقب، إثر تعرضها للاغتصاب خلال عطلة نهاية الموسم الدراسي الذي حصلت فيه على شهادة البكالوريا.

تحكي حسناء، قصتها بنبرة مبحوحة حزينة لم تخفيها ترددات الهاتف، قائلة:”كنت أتجول في شوارع مدينة فاس خلال عطلة الصيف، فإذا بي أتفاجئ بشخصين على دراجة نارية، أوقفوني وشهروا في وجهي أسلحة بيضاء، وأركبوني بالقوة على دراجتهما، ثم اتجهوا بي نحو عين الشقف، التي تم فيها تجريدي من كل ملابسي والتناوب علىاغتصابي بشكل عنيف”.

وتابعت المتحدثة، وشهقات البكاء تسمع بشكل متقطع، “عانيت من ضغط نفسي رهيب، أنساني فرحة الحصول على شهادة البكالوريا، ولم أستطع إخبار عائلتي، وبدأت في أول أيامي بالجامعة أستهلك المخدرات إلى أن وصلت إلى مرحلة متطورة من الإدمان، فكان امتهان الدعارة وسيلة لتوفير المخدرات والخمر وأن أسهر في الملاهي والفنادق الكبرى، وليس لتوفير وسائل العيش وإتمام الدراسة”.

انقطعت حسناء عن الدراسة بعض 3سنوت من التواجد بالجامعة دون أن تحرز أي تقدم دراسي، فتزوجت من أحد المهاجرين المغاربة بإيطاليا، معتقدة أن في ذلك حل دائم لمعاناتها وبوابة لحياة جديدة، لكن القدر يقسوا عليها مرة ثانية، فقد تم اعتقال زوجها بسبب اتجاره في المخدرات الصلبة ببلد إقامته، ولما قضى مدته السجنية تم ترحيله إلى المغرب.

وفي هذا السياق، تقول المتحدثة، بدا يطلب مني العودة لامتهان الدعارة، ليس لتوفير متطلبات العيش فقط بل لكي يتمكن من شراء مخدر الشيرا والخمر، وهو ما رفضته، فكان بناء على ذلك يعنفني ويطردني من بيت الزوجية”، وزادت، ” لقد تطلقت منه بعد إيداعه السجن بسبب ارتكابه لإحدى الجنايات، بطلب من عائلتي التي قامت باحتضاني”.

رجوع حسناء إلى أحضان أسرتها، مكنها من الاستفادة منالرعاية النفسية، بأحد مراكز محاربة ادمان المخدرات، وبإحدى الجمعيات المهتمة برعاية النساء المغتصبات والمعفنات، للتخفيف من معاناتها. وأوضحت المتحدثة ” لقد تحسنت بشكل كبير، حيث أقلعت عن شرب المشروبات الكحولية وتدخين الحشيش ولم أعد أبيع جسدي مقابل المال”. واستدركت ” المستقبل يبقى مجهول، وأسأل الله اللطف”.

“دعارة الطالبات” ظاهرة اجتماعية لا أخلاقية

قال جمال فزة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس، أن “الدعارة اليوم بين الطالبات، لها أسباب كثيرة جدا، والمادية منها تشكل العامل الأساسي”، وأوضح أن “الطالبة تأتي من مكان بعيد كالبادية التي يكون فيها الإنسان مطمئن وتكون القيم والأسرة لهما قيمة ودور، لتجد نفسها في مدينة متوحشة تبتلعها ولا تعطيها فرصة للتأقلم”، مضيفا أن “المعطى المادي هيكلي وبنيوي، لا يمكن التغاضي عنه أو القولإن هذه ظاهرة أخلاقية”.

وأردف المحلل الاجتماعي، أن الوضع الذي وصلت له الجامعة يساهم في تفشي الظاهرة، لأنها حسب تعبيره “لم تعد ذلك الحضن التربوي ومؤسسة التنويرية”، مبرزا أن الجامعة “أصبحت تعطي نوعان من الطالبات، إما طالبة محجبة متزمتة دينيا أو طالبة تمتهن الدعارة”، واصفا أن “الظاهرة ليست منفصلة عن المشروع المجتمعي المتعلق بماهي الجامعة التي نريد، والجامعة التي أرادوا هي التي تخرج هؤلاء”، وزاد “حتى نكون واضحين هم يقتلون الجامعة وعندما يرون الطالبة تمتهن الدعارة لا يجب أن يتفاجؤوا”.

وفسر فزة، استمرار بعض الطالبات في تحصيلهم العلمي رغم امتهانهن للدعارة، ب”غياب أي تعارض بين أن تمتهن فتاة الدعارة و بين أن تنجح في دروسها، مضيفا أن “المسألة ليس اختيار مسار، فامتهانها للدعارة يكون بدافع الإجبار، وتجد نفسها من أجل أن تدرس وأن تصل لهدفها تمتهن الدعارة”، وزاد ” الذي يمكنه أن يقول لك هناك تعارض هو “الفقيه”، الذي مصدر معلوماته أخلاقي، أما أنا فباحث في علم الاجتماع”.

ودعا المتحدث، إلى “توفير الشروط الاجتماعية التي تسمح للطالبات بإكمال دراستهن وإعطائهن الامتياز الإيجابي في الحصول على السكن الجامعي والمنحة الدراسية وكل ما نزعه منهن التاريخ البطريركي بالمغرب نرده لها بنوع من الامتيازات الاجتماعية”، موضحا أن “البنت يجب إعطاءها الامتياز في المسائل الاجتماعية على الولد لأن مشكلنا في المغرب هو أن النظام البطريركي يعطي الامتيازات للرجل، وبالتالي لا نحتاج إلى المساواة بل إلى نحتاج إلى إنصاف البنت”.

وتابع فزة في ذات الصدد، “يجب على الناس الذين يتحدثون باسم الدين “اشدوا تقارهم”، على تجريم وإدانة الفتاة باعتبارها هي المسؤولة”، معتبرا أن هذا “الخطاب يكرس الظاهرة أكثر مما يجد لها حلا”، مضيفا “يجب أن تكون لهم الجرأة والشجاعة في القول بأن هذا في فيه سياسة وفيه تغير اجتماعي الذي يجب على المغرب مواكبته، لا أن يؤسسوا شرعية حديثهم على وضعية الفتاة وأن يقتاتوا في خطابهم على معاناة النساء”.

وتحفظ المتحدث، على تسمية الطالبات ب “الباغيات” أو العاهرات”، معتبرا أن هذه التسميات “فيها الكثير من اللوم على صاحبته، في حين أنها ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى الكشف عن أسبابها الحقيقة ووضع حلول واقعية تحد منها”.

الحركة النسائية وتجارة الجسد

على خلاف الباحث السوسيولوجي، قالت فاطمة الزهراء البقالي، رئيسة منتدى الزهراء للمرأة المغربية، أن “الخطاب الديني جاء يركز على الوقاية أكثر من التركيز على ما بعد الوقوع في مثل هذه الممارسات، لأنه عندما تحذر الناس من المالات تمنعهم من القيام بالاختيارات غير الراشدة “، وزادت أن “ممارسات الناس الذين يمارسون الوعظ والإرشاد ربما يختلفون في مقاربتهم للطريقة التي يجب أن تتم بها هذه النصيحة أو التوجيه”.

وترى رئيسة الهيئة النسائية الموازية لحزب العدالة والتنمية، أنه “بتطبيق الدين بالطريقة التي أراد الله نكون بصدد خطاب رحمة وليس خطاب الذي يزيد الطين بلة”، وأضافت “الدين غير مسؤول وإنما نحن الذين نمارس التدين لا نرقى به إلى درجة التي يمكن بها أن يساهم في إيجاد حل للإشكالات الاجتماعية التي تطرح علينا”.

وأردفت البقالي، أن المجتمع له توجه عام فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية إذ يتقبل أكثر الممارسات اللاأخلاقية من طرف الرجال ولا يتقبلها من طرف النساء، وهذا فيه حيف ويترتب عنه كأننا نعفي الرجل من أي مسؤولية في إطار هذه العلاقات ونحمل كاملة المسؤولية للمرأة”، واستدركت قائلة ” في حين أن الدين ينظر إلى طرفي الخطيئة بالتساوي في إطار التجريم والمنع”.

كما وصفت الفاعلة الجمعوية، “دعارة الطالبات”، بأنها ” ممارسات غير مفهومة”، مبرزة أن “الإطار المرجعي للأسر المغربية واضح فيما يخص العلاقات خارج مؤسسة الزواج”، مضيفة أنه من جهة أخرى، ” من غير المتصور المزاوجة بين طلب العلم وبين السلوكيات التي هي في الأصل بيع للجسد الذي يتعارض تماما مع الكرامة المفترضة في الإنسان طالب العلم، لان طلب العلم هو تحرر من أي عبودية وتملك للأدوات المعرفية التي تمكنه من ان يكون فاعل في محيطه ولا يخضع لأي ابتزاز”.

وقالت البقالي، إن ممارسة الدعارة، قد “لا تمنع من مواصلة المسار الدراسي بحيث يمكن أن تجد حالات لطالبات تمكن من المزاوجة بين الدراسة والدعارة، لكن انطلاقا من ثقافتي وتربيتي لا يمكن أن أتصور الجمع بين طلب العلم وبيع الجسد”، وتابعت متسائلة، كيف يمكن أن يتم بنهار طلب العلم وبالليل بيع الجسد، خصوصا أن المرأة تصاب بالمهانة جراء الاستغلال الذي يمكن أن يقع لها”.

وفي ذات السياق، عرفت سميرة بوحية، عضو المكتب المركزي بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان، دعارة الطالبات بانها ” استغلال اقتصادي يشيئ المرأة وتبضيع للجسد وهو كذلك اغتصاب ناتج عن دافع اقتصادي”، معتبرة أنها “ظاهرة بنيوية وتحتاج كذلك حلول بنيوية بحيث لا تختلف عن باقي الظواهر كالتسول والتشرد وتشغيل الأطفال”.

وفيما يخص أسباب دعارة الطالبات، ترى منسقة القطاع النسائي للحزب الاشتراكي الموحد، أنها تكمن في “السياسات الاقتصادية المتعاقبة على المغرب منذ الثمانينيات مع تطبيق التقويم الهيكلي الذي تسبب في التأثير السلبي على الاسرة حيث تراجعت الادوار التربوية والاخلاقية لتقوم مكانها ادوار نفعية مادية بالأساس”، مضيفة لذلك “انتشار الفقر والهشاشة والمشاكل المادية التي تعاني منها جل الأسر المغربية، يكون تأثيرها على الشابات أكثر وطأة”.

وزادت بوحية إلى جانب ما سبق، “ضعف قيمة المنح الجامعية، وغياب الاحياء الجامعية الكافية لاستيعاب الطلب المتزايد على استكمال الدراسة، وكذا غياب الجامعات والأحياء الجامعية في العديد من المدن المغربية، الأمر الذي يجبر العائلات على ارسال بناتهن لمدن بعيدة يصعب تغطية تكاليف الاستقرار بها. فتصبح الطالبات مضطرات الى بيع اجسادهن من اجل الحصول على المال الكافي لإتمام الدراسة وسد حاجياتهن”.

وقالت المتحدثة، انه يجب”بذل مجهودات جبارة للحد من هذه الظاهرة الاقتصادية بامتياز، عبر إقرار تعليم شعبي ديمقراطي ومجاني يضمن الولوج المتساوي الى جميع اسلاك التعليم، وتحقيق العادلة الاجتماعية التي تضمن توفير العيش الكريم، والتربية على المساواة في صفوف الناشئة،وكذا محاربة الاشكال النمطية في المناهج الدراسية والبرامج التلفزية التي تمس بكرامة المرأة”.

تختلف أسباب ولوج نسبة قليلة من الطالبات إلى “عالم المومسات”، فأغلبهن أرغمن على ذلك بسبب الفقر وقلة حيلتهن أمام المتطلبات المعيشية التي تفرضها الحياة العصرية، ومنهن من كان الإغراء والرغبة في التجربة دافعا لهن، وهذا يسري ليس فقط على الطالبات المغربيات بل يشمل كذلك جل الطالبات في العالم بأسره، لدى فإن تناول هذا الموضوع يشوبه نوع من المبالغة والإفراط في التحامل، لان لسان حال الطالبات اللواتي التقتهن “آشكاين” ومنهن من لم ندرج شهاداتهن في هذا الاستطلاع، يقول ” مضطرة أختك لا بطلة”، فلا بطولة في مواجهة الأمواج العاتية للدهر، إذا كان في الانحناء لها مذلة وفي الوقوف صوبها انكسار. كما أن المرأة ليست “عشتار” إلهة الجنس في الأسطورة السومرية، التي أغرت راعي الغنم إلى أن تحول إلى ذئب، والرجل لا يشبه “دموزي” إله الخير الذي أتت العذراء لإنقاذه بعد أن حزنت عليه كل الكائنات فذبلت الأوراق وماتت الحياة، وفق في الأسطورة الأشورية.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد