لماذا وإلى أين ؟

حقائق تعرفونها لأول مرة عن تبييض الأموال بالمغرب

أعاد حادث إطلاق النار بأحد مقاهي مدينة مراكش والذي راح ضحيته شاب في مقتبل العمر، بداية شهر نونبر الماضي، (أعاد) نقاش تبييض أو غسيل الأموال في المغرب إلى الواجهة، وذلك بعد تعدد التساؤلات حول علاقة صاحب المقهى الذي كان مسرحا للحادثة بالمافيا الدولية، والاشتباه في مصدر الأموال التي أنشأ بها المقهى المشار إليه، ومدى إمكانية أن يكون هذا المشروع مجرد وسيلة لتبييض الأموال؟ وهو الأمر الذي فُتح فيه تحقيق قضائي، مما دفعنا لإعادة طرح سؤال حول مفهوم غسيل أو تبييض الأموال في المغرب ومصادر الأموال التي يتم غسلها وآلية غسلها وكيفية تعاطي القانون معها وتأثيرها على الاقتصاد الوطني؟

ماذا نقصد بغسيل وتبييض الأموال؟

توصف ظاهرة غسيل الأموال، أو تبييض الأموال أو إجرام الياقات البيضاء، كما يصطلح عليها في نظريات علم الإجرام، (توصف) بكونها من أهم وأخطر الجرائم المالية التي ظهرت في عصر الاقتصاد الرقمي والتي ترتبط بالجريمة المنظمة خاصة مع ارتفاع وتيرة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والأسلحة والأعضاء البشرية والنقود المزيفة والتحف والآثار…

وحول تعريف عملية غسيل الأموال، لم يتفق الدارسون والباحثون على تعريف موحد لها، إذ نجد من يصفها بـ”الأموال القذرة التي يراد تنظيفها أو تبييضها أو غسيلها”، بينما يصف آخرون العملية بكونها “عملية استبدال أو تحويل أموال مع العلم بأن مصدرها عمل إجرامي، أو ناتجة عن مشاركة في أعمال مماثلة، بهدف ستر أو إخفاء أصلها غير المشروع أو مساعدة كل متهم بهذه الأعمال لتجنب النتائج القانونية لأفعاله”، بينما يقول تعريف آخر إنها ” أي عملية من شأنها إخفاء المصدر غير المشروع الذي اكتسبت منه الأموال المراد غسلها”.

أما في المغرب فقد تم تعريف عملية غسيل الأموال في الفصل 1 – 574 من القانون رقم 05-43 المتعلق بمكافحة غسيل الأموال، الصادر سنة 2007، بـ” تكون الأفعال التالية جريمة غسيل الأموال عندما ترتكب عمدا : اكتساب أو حيازة أو استعمال أو استبدال أو تحويل الممتلكات بهدف إخفاء أو تمويه مصدرها، لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير، عندما تكون متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2 – 574 من نفس القانون؛ مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2 – 574 المشار إليه على الإفلات من الآثار التي يرتبها القانون على أفعاله؛ تسهيلا لتبرير الكاذب، بأية وسيلة من الوسائل، لمصدر ممتلكات أو عائدات مرتكب إحدى الجرائم المشار إليها في الفصل 2 – 574 بعده، التي حصل بواسطتها على ربح مباشر أو غير مباشر؛ تقديم المساعدة أو المشورة في عملية حراسة أو توظيف أو إخفاء أو استبدال أو تحويل العائدات المتحصل عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من ارتكاب إحدى الجرائم المذكورة في الفصل 2 – 574 بعده”.

وفي ذات القانون نجد الفصل 2 – 574 منه يقول بأنه “يسري التعريف الوارد في الفصل 1 – 574 أعلاه على الجرائم التالية: الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية – المتاجرة بالبشر – تهريب المهاجرين – الاتجار غير المشروع في الأسلحة والذخيرة – الرشوة والغدر واستغلال النفوذ واختلاس الأموال العامة والخاصة – الجرائم الإرهابية – تزوير النقود وسندات القروض العمومية أو وسائل الأداء الأخرى”.

ما هو حجم الأموال التي يتم غسلها؟

يصل حجم الأموال التي يتم غسلها سنويا عبر العالم مابين 450 مليار إلى 5,1 تريليون أي ما يعادل 2% إلى 5% من الناتج المحلي العالمي، بحسب إحدى إحصائيات صندوق النقد الدولي، ويصل المبلغ إلى 15% من الناتج الخام الإجمالي العالمي حسب تقرير سابق لمنظمة الشفافية الدولية، فيما تغيب أرقام محددة بالنسبة لحجم الأموال التي يتم تبييضها داخل المغرب، الأمر الذي دفعنا إلى البحث في تصنيف المغرب ضمن المؤشرات الدولية بهذا الخصوص لتقريب الصورة أكثر.

مؤشر “بازل” لمكافحة غسل الأموال ومخاطر تمويل الإرهاب، الذي يُصدِره مركز بنفس الاسم، وهو مركز متخصص في منع الفساد والحكامة العامة والامتثال والعمل الجماعي ومكافحة غسيل الأموال وإنفاذ القانون الجنائي واسترداد الأصول المسروقة، صنف المغرب في المرتبة 57 من أصل 146 دولة شملها تصنيف عام 2017، في تقريره الذي يتم إعداده بإشراف عالمي من قبل “لجنة بازل المصرفية الدولية بسويسرا”، ويرصد “كل الجرائم المالية التي تقع في 146 دولة حول العالم والتشريعات والقوانين المحلية المعتمدة لمواجهتها ومدى تطبيق البنوك المركزية للتعليمات الصادرة عن الأمم المتحدة ومؤسساتها بشأن مكافحة هذه النوعية من الجرائم التي تشكل خطرا على السلم والأمن العالميين.”

وبحسب التقرير نفسه فقد حصل المغرب على تنقيط 6.38 من أصل 10، وهو تنقيط وضعه بين الدول الأكثر خطراً في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط في مجال غسيل الأموال، بعد كل من إيران كأخطر دولة في العالم ومنطقة “مينا”، تليها لبنان، واليمن، والجزائر، ثم المغرب وتونس.

في ذات السياق، أكد تقرير سابق لوزارة الخارجية الأمريكية، أن “مجال مكافحة غسيل الأموال لا زالت تعتريه العديد من نقاط الضعف”، معتبرا أن “الموقع الجغرافي للمغرب يجعله نقطة جذابة من أجل التهريب والاتجار بالبشر، وأيضا الهجرة غير الشرعية”، مشيرا إلى أن “أهم نقاط ضعف غسل الأموال الرئيسية في المغرب تنبع من القطاع غير الرسمي، إضافة إلى انتشار المعاملات النقدية، وارتفاع حجم التحويلات المالية، ووجود شبكات تهريب دولية”.

يقول مسؤول قضائي فضل عدم الكشف عن اسمه للعموم، في حديث لـ”آشكاين” إنه “لا توجد إحصائيات رقمية دقيقة”، مشيرا إلى أن “هناك ملفات ومعطيات تتعلق بالبحث الذي أصبح متواصلا في موضوع غسيل الأموال انطلاقا من سنة 2007 تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ”.

وأوضح المتحدث نفسه أنه “ما بين سنتي 2007 و 2009 كانت وتيرة رصد وتتبع القضايا ذات العلاقة بغسيل الأموال بطيئة جدا، لأنه خلال تلك الفترة كان لم يتم بعد إنشاء وحدة معالجة المعلومات المالية، وابتداء من 2009 ارتفعت الوتيرة بشكل كبير وكل سنة تقريبا تزداد الإحصائيات عن السنة التي قبلها”، مردفا أنه ” “حسب الإحصائيات التقريبية لسنة 2015 سُجل 54 ملف لغسيل الأموال والسواد الأعظم من هذه الملفات يحال من طرف الوحدة المذكورة طبقا للمادة 18 من قانون غسيل الأموال، وهناك إحالات أخرى تتم من طرف محاكم المملكة عندما تبث في جريمة خاضعة ويتبين لها أن تلك الجريمة الخاضعة قد ترتب عنها مجموعة من الأموال وشكلت ثروة تم غسلها في إطار ممتلكات عقارية أو منقولة أو سائلة في مختلف المؤسسات الاقتصادية وفي الدورة الاقتصادية وبالتالي تحال نسخة من المسطرة على وكيل الملك بالرباط باعتبار الاختصاص الوطني ويفتح فيها تحقيق”.

ويذكر المصدر ذاته،”أن غالبية الملفات التي تحيلها محاكم المملكة تكون آتية من طنجة، الناظور ومراكش”، ويمكن تفسير ذلك بكون أغلب الملفات المرتبطة بقضايا تبييض الأموال تأتي من المدن المذكورة، لكون طنجة تعتبر بوابة المغرب نحو أوروبا وعاصمة شمال المغرب المعروف دوليا بزراعة القنب الهندي وتكاثر تجارة المخدرات به، أما الناظور فتعد أول مدينة مغربية من حيث حجم التحويلات المالية للعملة الصعبة القادمة من الخارج، وبخصوص مراكش فهي العاصمة السياحية للمغرب وتوجد بها أغلب الاستثمارات في قطاع الخدمات والفندقة والمشاريع السياحية بصفة عامة وهي مشاريع يسهل تبييض الأموال من خلالها.

ماهي مصادر الأموال التي يتم غسلها؟

وعن منابع هذه الأموال التي يتم غسلها يقول المصدر القضائي “إن طبيعة الأنشطة التي تأتي منها الأموال التي يتم غسلها غالبا تكون الاتجار في المخدرات، وهناك أيضا جرائم النصب التي تعتبر من الجرائم الخاضعة التي تشكل أرضية لغسل الأموال فيما بعد، مثل ما ظهر مؤخرا من ظاهرة البيع الهرمي (باونزي) التي أصدر بخصوصها بنك المغرب مذكرة وأثبت أن أصحابها يقومون بتهريب أموال إلى الخارج في إطار عمليات لغسل الأموال”.

لكن السواد الأعظم لمصدر هذه الأموال يضيف المتحدث ” يظل الاتجار في المخدرات، لاسيما العابر للحدود بين المغرب وأوروبا من طرف عدد من المهاجرين المغاربة في دول أوروبية مثل بلجيكا وهولاندا وفرنسا، وما يتحصلون عليه من أموال من خلال الاتجار بالمخدرات هناك يتم غسلها في مناطق أخرى مثل المغرب خاصة شمال المملكة”.

نفس الشيء أكدته مصادر مطلعة من شمال المغرب، في تصريح لـ”آشكاين”، وأصرت على عدم الكشف عن هويتها واسمها للعموم، حيث أوضحت أن أغلب الأموال التي يتم تبييضها وغسلها في المغرب تأتي من الاتجار الدولي في المخدرات”.

أما فؤاد عبد المومني، رئيس منظمة الشفافية الدولية، “ترانسبارنسي” فرع المغرب، فيقول “إن ما يمكننا تسجيله هو أن جزء كبيرا جدا من المداخيل المغربية مرتبط بأموال مشبوهة سواء منها ما يرتبط بالمخدرات أو ما يرتبط بالسوق السوداء وأموال الرشوة واستغلال النفوذ والأموال التي تخرج من المغرب بدون رقابة”، معتبرا أن “كلها فظاعات سوداء لا يتمكنون من الحصول على المعلومة حولها”، فيما يرى محمد المسكاوي رئيس “الشبكة المغربية لحماية المال العام “، أن “الأموال التي تغسل بالمغرب تأتي من جرائم الرشوة والفساد والمخدرات والاتجار بالبشر، أي أن غسيل الأموال يتأتى من أموال غير قانونية لا يمكن أن تودع بالبنك”.

ماهي طرق إدخال الأموال التي يتم غسيلها إلى المغرب وأساليب غسيلها؟

تختلف طرق إدخال الأموال التي يتم غسلها إلى المغرب، ومن بين هذه الطرق يقول مصدر “آشكاين” القضائي، ” لا نتوفر عليها بالضبط ولكن بحسب الأبحاث التي أجريت حتى من طرف الأجهزة الأجنبية فإن غالبية المبيضين يكونون من مزدوجي الجنسية ويجدون يسرا وسهولة في إدخال هذه الأموال من غير التصاريح التي هي قانونية، حيث يتم إدخالها عن طريق أشياء ثمينة كالساعات الباهظة الثمن والسيارات أو عن طريق إدخالها نقدا بشكل خفي في تجاويف محدثة بطريقة محكمة بالسيارات وغيرها”.

إحدى المصادر التي تحدثت لـ”آشكاين”، أوضحت “أنه يتم إدخال جزء مهم من الأموال التي يراد غسلها عن طريق السيارات الباهظة الثمن، حيث قام باصطحاب “آشكاين” إلى سلسلة من المحلات التي تعرض سيارات جديدة للبيع، وأكد لنا أن أثمنة بعضها يساوي الثمن الذي تباع به في مكان الإنتاج، وتساءل عما سيربحه تاجر من بيع سيارة بنفس ثمنها في مركز الإنتاج؟” مضيفا “أن المحلات الثلاثة التي زرناها تحتوي على مجموعة من السيارات تناهز قيمتها أربعة ملايير سنتيم، حيث تعرض بها سيارات يناهز ثمنها 300 مليون سنتيم وهذا فقط في حي واحد بمدينة واحدة وقس على ذلك”، مؤكدا أن “هناك شبكة من الوسطاء التي تعمل في هذا المجال وما يعرض في المحلات إلا خضرة فوق الطعام”، حسب تعبير المصدر.

مصدر آخر من شمال المملكة أوضح لـ”آشكاين” أنه “بعد تحويل المخدرات التي تخرج من المغرب إلى أموال تتم إعادتها للمغرب عن طريق سلع تهرب عبر معبر باب سبتة ومليلية، فيما يتم إدخال الشحن الكبيرة من هذه السلع عن طريق ميناء طنجة المتوسطي بالاستعانة بأسماء تُجار معروفين”، مضيفا أن “أغلب السلع التي يتم إدخالها تكون باهظة الثمن مثل الهواتف الذكية آخر طراز والأجهزة الإلكترونية وقطع غيار مراكب الصيد في أعالي البحار وغيرها من السلع والتي يتم بيعها بأثمنتها الأصلية أو أقل لأن الهدف ليس هو الربح، وإنما البحث عن مصدر معروف لهذه الأموال من أجل إعادة تدويرها في قطاعات أخرى”، حسب المصدر.

فما هو مصير هذه الأموال، وكيف تصبح مبيضة أو مغسولة؟

بحسب امحمد برادة غزيول، في كتابه “جريمة غسيل الأموال و طرق مكافحتها”، فعملية غسيل الأموال تمر بثلاث مراحل: “مرحلة الإيداع أو التوظيف أو الإحلال، حيث تقدم الأموال الوسخة أو القذرة للبنوك في شكل حصص صغيرة يتم إيداعها في الحسابات للتخلص من كمية النقود الكبيرة في يد مالكها و ذلك بنقلها إلى مكان الهدف، ثم مرحلة الترقيد أو التمويه أو الخداع أو التجميد أو التجميع أو التغطية و تتم من خلال مجموعة من العمليات المعقدة بهدف إخفاء أو طمس علاقة تلك الأموال مع مصادرها غير المشروعة من خلال القيام بالعمليات المالية و المصرفية المتتالية، ثم مرحلة الاندماج أو الدمج أو التنظيف، حيث يتم من خلالها دمج الأموال المغسولة في الاقتصاد و ذلك بشراء العقارات أو الممتلكات لإصباغ الشرعية على الأموال الوسخة أو القذرة مما يمكِّن من استخدامها بطريقة مربحة و علنية وبالتالي صعوبة الكشف عنها و التمييز بينهـا و بين الأموال المشروعة”.

عن أساليب غسيل الأموال فهي متعددة وتظل أحدث الوسائل لغسل الأموال باستخدام شبكة الإنترنت: وذلك من خلال النقود الإلكترونية (الرقمية)، وبنوك الإنترنت بالإضافة إلى الأساليب التقليدية كالغسيل عن طريق المجال المصرفي أو من خلال استخدام مكاتب ومؤسسات الصرف، ومكاتب السمسرة، واستخدام الشركات الوهمية.

ومن المشاريع التي يتم استغلالها كواجهة لتبييض الأموال في المغرب، تقول المصادر التي تحدثت لـ”آشكاين”،”محطات الوقود، الفنادق، الأسواق الممتازة، المقاهي والمطاعم الفاخرة، وكالات كراء السيارات الفارهة، وكالات بيع السيارات الفارهة، مشاريع سكنية فخمة، مقاهي الشيشة بمواصفات عالية و فخمة، وهو الأمر الذي يؤكده المصدر القضائي في ذات التصريح، حيث يقول: ” إن أهم مجالات تبييض الأموال في المغرب يتم عبر العقار والأصول التجارية كالمحلات التجارية من مقاهي وغيرها”.

وعن التبييض عبر العقار، يوضح أحد المستثمرين في هذا القطاع أن “طريقة تبييض الأموال في العقار هي من أسهل الطرق الممكنة في المغرب”، مضيفا في حديث مع “آشكاين، أن ما يسهل هذه العملية هو “انتشار ظاهرة السوق السوداء أو النوار أو تحت الطابلة، أي أنه عندما يريد شخص ما شراء عقار قيمته 100 مليون سنتيم يتم التصريح بـ 60 مليون سنتيم مثلا، فيما يتم دفع 40 مليون المتبقية بشكل مباشر ومن دون التصريح بها.

ويبرز ذات المستثمر، أن “بعض المبيضين يلجؤون لشراء مساحات عقارية كبيرة تقدر قيمتها بالملايير ويؤدون جزء من ثمنها على الأوراق فيما يؤدى الجزء الأكبر في النوار”، معتبرا أن” بعض الإجراءات التي قامت بها الدولة في هذا المجال ساعدت على عملية التبييض من قبيل تحديد أسعار العقار ببعض المناطق مما دفع بعض أصحاب العقارات إلى اللجوء أكثر للنوار من أجل الرفع من سعر العقار مقارنة بما حددته الدولة”، مؤكدا أن “عملية التبييض في هذا المجال تشارك فيها شبكة متعددة الأطراف من بينها موثقين وموظفين بنكيين وسماسرة ومنعشين عقاريين”.

كما يتم اللجوء إلى الشراكة مع منعشين عقاريين لكونه يسهل صرف الأموال نقدا كأجر العمال وكراء الآليات… ليتم بعدها الحصول على الأموال من خلال بيع المساكن وإيداعها بالبنك من مصدر معروف وتجنب المساءلة.

بعد تحصيل العائدات المالية من خلال طرق غسيلها وتبييضها تأخذ مسارا آخر حيث أجمعت المصادر التي تحدثت لـ “آشكاين” على أن “هذه الأموال غالبا ما يتم تهريبها إلى خارج المغرب حيث يتم وضعها في أبناك بدول تتساهل قوانينها في السؤال عن مصدر هذه الأموال، وهذا التهريب له كذلك طرق متعددة من أهمها التبادل المالي بين شبكات مبيضين ومهربين لهم أرصدة بنكية بعدة دول، حيث يمكنهم من الحصول على مقدار مالي ما في الدولة التي يرغبون فيها مقابل تأدية المبلغ بعملة البلد الذي يوجد فيه زائد الأرباح نقدا أو عينا بالمغرب”، وكل هذا لأن المبيضين يتجنبون وضع أموالهم حتى بعد تبييضها ببنوك مغربية تخوفا من أية مساءلة مستقبلا، لكن ما هي الإجراءات التي تقوم بها الأبناك المغربية لتفادي تسرب الأموال المبيضة لها؟

ما هي الإجراءات التي تتعامل بها البنوك المغربية لمحاربة ظاهرة التبييض؟

في هذا السياق، يقول المصدر القضائي لـ”آشكاين”، “إن قانون غسل الأموال 43.05 يجعل المؤسسات البنكية أشخاصا خاضعة حسب المادة الثانية من نفس القانون، وهذه البنوك ملزمة بمجموعة من تدابير الحماية والمراقبة، فرضتها عليها الجهات الوصية، وهي بنك المغرب ووحدة معالجة المعلومات المالية”.

ومن بين هذه التدابير أساسا، يضيف المتحدث نفسه “أنه كلما تعلق الأمر بوضع مبلغ مالي غير اعتيادي بالنسبة لذلك الحساب يجب -من غير عملية ضبط هوية الزبناء بصفة دقيقة، إذا اتضح أن ذلك المبلغ كبير جدا ولا يتماشى وحركية ذلك الحساب، حسب الظاهر منه- (يجب) أولا؛ أن يلزم الزبون بتبيان وتبرير سبب العملية النقدية التي ترتب عنها المبلغ الذي سيودعه بالحساب البنكي إذا تجاوز المبلغ 100 ألف درهم”، مشيرا إلى أنه “إذا لم تقتنع المؤسسة البنكية بمبررات ذلك الزبون وجب على المؤسسة أن تقيم تصريحا بالاشتباه يحيله على وحدة معالجة المعلومات المالية وهنا يبدأ عمل هذه الوحدة والتي تضم مجموعة من الأعضاء من قطاعات مختلفة وتقوم بإنجاز تقرير إما يبين أن هناك عناصر اشتباه أو لا وإذا تبين أن هناك عناصر اشتباه قوية وأن الأمر يتعلق بغسيل الأموال يحيلون ذلك البحث على وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط من أجل تحريك المتابعة القضائية، وإذا تبين أن الأمر لا يتعلق بغسيل الأموال يتم حفظ الملف ولا يصل لقضاء”.

حول ذات الموضوع يقول إطار بنكي، تحدث لـ”آشكاين” ورفض الإفصاح عن هويته، “إنه لا يوجد ما يلزم الزبون بتبرير المبلغ الذي سيودعه في حسابه أو حساب شخص آخر رغم التنصيص على ذلك قانونيا”، موضحا أنه “في حالة الشك في حساب معين يتم الاستفسار عنه من طرف الوكالة التي فتح فيها الحساب، وعلى أساس إفادة هذه الأخيرة يتم تقرير ما إذا كان سيفتح بحث في الموضوع أو لا”.

هل هناك علاقة بين غسيل الأموال والعمل السياسي؟

قد تستعمل الأموال المتحصل عليها من عمليات التبييض في أنشطة سياسية، وهنا يقول عبد الرحمان بن عمرو، الرئيس السابق لـ”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، ومنسق “فدرالية اليسار الديمقراطي سابقا”، في تصريح لـ”آشكاين”، (يقول): “سمعنا في الصحافة أن بعض البرلمانيين يمولون بأموال متحصل عليها من الاتجار في المخدرات وهذا الأمر يستغل في تمويل الأحزاب الإدارية حيث نجد أحزابا حديثة النشأة أنفقت في الحملة الانتخابية أموالا طائلة”.

ويردف المتحدث نفسه أن “الأموال الخانزة”، حسب تعبيره تستعمل في “كسب وشراء الأصوات في الانتخابات وفي التقرب من الفئات الفقيرة عبر بناء مساجد ومدارس وتشييد الطرق وإرشاء مسؤولين قضائيين”، مشيرا إلى أن هناك “شخص معروف بالاتجار الدولي في المخدرات قام ببناء مركز لصالح الأمن في طنجة سابقا”، مؤكدا أن استعمال المال المتسخ في السياسة “قد يمس بحقوق الأشخاص وحرية الرأي والتعبير والإرادة الشعبية، حيث تستعمل هذه الأموال في الانتخابات ووصول برلمانيين لمجلس النواب والمستشارين، قد يشرعون أشياء في غير صالح الشعب، وتزوير إرادته وإفساد الضمائر وشراء عناصر الأمن وإفساد القضاء وإعطاء الحق لمن لا حق له والعكس”.

المصدر الذي يشتغل في مجال التجارة بالشمال يكشف لـ”آشكاين”عن أحد أوجه استعمال الأموال التي يراد تبييضها في النشاط السياسي، ويقول “إن أحد الوجوه البارزة سياسيا حاليا، والذي يوجد في منصب المنسق الجهوي لأحد أبرز الأحزاب السياسية المغربية بدأ مشواره الاقتصادي والتجاري بتبييض الأموال بشهادة عدة أشخاص”، مشيرا إلى أن هذا الشخص “كان في بدايته لا يملك شيئا قبل أن يبدأ في استيراد بعض السلع الباهظة الثمن خاصة الهواتف الذكية بالموازاة مع انتخابه كمستشار جماعي، وأنه تم ضبطه من طرف الأمن الإسباني في وقت سابق وبحوزته مبلغ مالي مهم من العملة الصعبة غير مصرح به”، مؤكدا (المصدر) أن الشخص المشار إليه، والذي تحفظت “آشكاين” عن ذكر اسمه وصفته والحزب الذي ينتمي له، “قد أصبح في غضون سنوات قليلة من أغنياء المنطقة، وأن جل التجار بذات المنطقة يعرفون أنه يستعمل العمل السياسي غطاء لأنشطته الأخرى خاصة منها تبييض الأموال”، حسب رواية المصدر.

هل يؤثر تبييض الأموال على الاقتصاد الوطني؟

ترتبط ظاهرة غسيل الأموال “ارتباطا وثيقا بالاقتصـاد الخفـي أوالمـوازي أو غيـر الرسمـي أو السفلي أو السري أو اقتصاد الظل”، ويؤثر بشكل سلبي على اقتصاد البلدان التي ينشط فيها، ومن أبرز مظاهر هذا التأثير يقول المستثمر العقاري الذي تحدث لـ”آشكاين”، “عدم استفادة خزينة الدولة من مبالغ طائلة بسبب عدم تأدية الضرائب الناتجة عن التعامل في النوار، ورفع أثمنة العقار واحتكاره مما يؤثر سلبا على بقية الاستثمارات مقابل استفادة لوبي آخر من الذين يستحوذون على أراضي الدولة بعلة إنشاء مشاريع سكنية اقتصادية”، وهو نفس الأمر الذي يؤكده النقيب عبد الرحمان بنعمرو، الذي يوضح “أن تبييض الأموال يؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني خاصة في مجال العقار، وآثارها تظهر في الرفع في الأثمنة حيث ترتفع القيمة المالية للشقق مثلا؛ فتلك التي كان ثمنها 20 مليون يُصبح ثمنها 50 مليون لأن المبيضين هدفهم دس الأموال وتبييضها في تلك الشقق وليس الربح أو السكن”.

أما المصدر الآخر والذي ينشط في مجال التجارة في شمال المغرب، فقد أكد أن آثار هذه الظاهرة على التجارة جد كارثي لكون المبيضين لا ينشدون الربح من وراء التجارة وإنما ترويج أموالهم المحصل عليها من مصادر غير مشروعة، وبالتالي فهم يبيعون السلع بأثمنتها وأقل أحيانا، مما يشكل خسارة لبقية التجار، الأمر الذي يدفعهم إلى إغلاق محلاتهم وبيعها لهؤلاء المبيضين أنفسهم، وفي قطاع الخدمات وبيع السيارات فالخسارة مزدوجة حيث تُحرم الخزينة من أموال الضرائب”.

فكيف تتعامل الجهات المختصة لحماية الاقتصاد الوطني من هذه الظاهرة؟

يقول مصدرنا القضائي إن “موضوع غسل الأموال هو موضوع جد حساس يرتبط فيه ما يسمى الأمن الاقتصادي بمحاربة الجريمة، وهذه العملية يجب أن تتم دون المساس بالأمن الاقتصادي بحيث لا يجب أن تصبح فوبيا البحث، لأن الأصل هو البراءة، وبحسب قانون دولي موحد بين جميع الدول التي صادقت على اتفاقية مكافحة الفساد ومنها المغرب فإن هذه الدول ملتزمة بمعايير دولية تطبق على المستوى الوطني”، مردفا أن “القانون الدولي يقول بإخراج قانون غسيل الأموال من طبيعة الأبحاث العادية نظرا لحساسيته وارتباطه بالأمن الاقتصادي وأن يتم إنشاء وحدة إدارية استخباراتية في الجانب المالي، حيث تقوم ببحث سري وخفي، وأعضاؤها مختلطون، وهي من تنجز الأبحاث وتحدد عناصر الاشتباه وتحيل الأمر على القضاء”.

ويضيف المصدر نفسه أن “من يمكنه أن ينتابه الشك حول عملية استغلال بعض الأنشطة لتبييض الأموال كاستغلال محلات بيع السيارات مثلا هو مركز تسجيل السيارات أو قبَضة الضرائب المتواجد في مجالها المحل المشتبه فيه، وإذا تبين لهم أن هذا المحل له مدخول خيالي يجب أن يُصرح للوحدة بكون الأمر ربما يتعلق بغسل الأموال والوحدة هي من تقوم بالبحث، وفي حالة ثبت تورط المعني في غسيل الأموال يحال الملف على القضاء”.

من جانبه قال المسكاوي في تصريحه لـ”آشكاين”،إن “الأموال التي يتم غسلها وتبييضها تضرب الاقتصاد الوطني بصفة عامة لأنه في الحالة التي لا يبنى فيها الاقتصاد على معايير المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرصة يؤدي إلى إفلاس مئات المقاولات”، مضيفا أنه “من يدخل في الصفقات العمومية بأموال الرشوة والفساد بالتأكيد سيؤثر على المواطن، لأن هذا الأخير لن يستفيد من خدمات جيدة وربما لن يتوفر على هذه الخدمات أصلا”.

وأوضح المسكاوي أن “المواطن يتأثر لأن الاقتصاد يتأثر، وأهم ما يتأثر به المواطن هو معدل النمو، لأنه عندما لا يكون اقتصاد مبني بشكل صحيح يتأثر معدل النمو سلبا، وهذا الأخير عندما يتأثر ينتج عنه بشكل مباشر عدم خلق فرص شغل وعدم الادخار ونقص السيولة، مما يؤدي للاقتراض من الخارج وهذه القروض يؤديها المواطن عن طريق الضرائب”.

ما الإجراءات القانونية لمكافحة غسيل الأموال؟

من بين أول الإجراءات التي قام بها المغرب من أجل محاربة غسيل الأموال؛ مصادقته على اتفاقية محاربة الفساد لسنة 2002، بالإضافة إلى توقيعه على الاتفاقية العربية لمكافحـة المخدرات المبـرمة في تـونس، قبل أن يتم سن القانون رقم 05-43 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، الذي خضع لتعديلين وتتميمين الأول في سنة 2011 والثاني في سنة 2013 وهي آخر صيغة محينة، وفي نفس القانون نجد تعريفا لهذه الظاهرة، تمت الإشارة له سابقا، وكذا العقوبات المترتبة عنها حيث نجد في فصله 3 – 574 “يعاقب على غسل الأموال: فيما يخص الأشخاص الطبيعيين بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 درهم؛فيما يخص الأشخاص المعنويين بغرامة من 500.000 إلى 3.000.000 درهم، دون الإخلال بالعقوبات التي يمكن إصدارها على مسيريها أو المستخدمين العاملين بها المتورطين في الجرائم.

كما نجد أنه في بقية الفصول خاصة “4 – 574، و5 – 574، و6– 5747 – 574” وفصول أخرى تحدد العقوبات حسب الحالات.
وفي ما يخص التعاون الدولي بين المغرب وبلدان أخرى المتعلق بمكافحة غسيل الأموال، يقول المسؤول القضائي: “المغرب رائد في التعاون بهذا الخصوص على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عن طريق ما يسمى بالشكايات الرسمية والإنابات القضائية، وهناك اتفاقيات ثنائية بين المغرب ومجموعة من الدول من بينها بلجيكا وفرنسا وهولندا وفيها تجربة قضاة الاتصال التي تسهل هذه المأمورية وبالتالي هناك تعاون ثنائي مسترسل وسهل عندما يتعلق الأمر بالجريمة المنظمة عموما، وجريمة غسل الأموال على وجه الخصوص”.

وحول مدى نجاعة الترسانة القانونية يقول النقيب السابق عبد الرحمان بن عمرو لـ”آشكاين”: “إن الهدف من تجريم الأفعال هو المحافظة والدفاع وحماية الحقوق والحريات سواء حقوق مالية أو أدبية والعقاب يستهدف حماية هذه الحقوق سواء كانت شخصية عامة”، مردفا “إذا فدور التجريم والعقاب هو تحقيق هذا الهدف ولكن قد يخرج الدولة أو المشرع أو القضاء عن هذا الهدف إذا أوّل النصوص القانونية تأويلا خاطئا”، مضيفا أن “القانون يعطي ضمانات لكن لا تطبق، فالدستور جاء بأشياء جيدة لكنها لا تفعل وأصحاب النفوذ لا يطبق عليهم القانون”.

أما محمد المسكاوي، رئيس “الشبكة المغربية لحماية المال العام ” فيقول ” إن القوانين المغربية تتوفر على بعض البنود الجيدة وتحتاج إلى قوانين أخرى لكن الإشكال في التنفيذ”، مشيرا في تصريح لـ”آشكاين”، أنه ” يمكن التصدي لهذه الظاهرة إذا التقت الإرادة السياسية لمحاربة الفساد وتغيير القوانين واشتغال جميع الأجهزة”، مضيفا “أن هناك بعض العراقيل التي تعترض تطبيق قوانين في هذا المجال” ويعطي المثال بقانون التصريح بالممتلكات، مؤكدا “أنهم (جمعيتهم) مازالوا لا يعرفون شيئا عن الموضوع لأن المجلس الأعلى للحسابات لا يكشف عن المعطيات بهذا الخصوص”، معتبرا أن هذا القانون “مجرد ورقة للأرشفة “.

وفي ذات السياق، يعتبر فؤاد عبد المومني، “أن أي نظام للمراقبة والضبط والزجر يكون بالإمكان الحكم عليه انطلاقا من نجاعته، وهل تمكن من إرجاع الأموال المشبوهة”، ويضيف في تصريح لـ”آشكاين” أن “درجة انضباط الاقتصاد وسير التمويل للقانون مرتبطان بالإرادة السياسية التي وضعت القوانين والتي من شأنها أن تسهر على تنفيذها أو عن إفشالها، والحال أنه في بلد مثل المغرب تشكل الإرادة السياسية الجزء الأكبر وما تبقى يظل مجرد تقنيات معروفة عبر العالم وسهل الحصول عليها وإعمالها”.

من جهته يقول عضو اللجنة التنفيذية لحزب “الاستقلال” سابقا، محمد سعود، إن الإجراء الذي اتخذه رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران والمعروف بعفى الله عمّا سلف، سهل تبيض مئات الملاير من الدراهم، حيث أن العديد ممن كانت لهم أموال بالخارج غير معروفة المصدر أدخلوها للمغرب وبطرق قانونية دون أن يُسألوا عن مصدرها أو يؤدوا عنها ضرائب للدولة على الأقل”.

وأضاف سعود في تصريح لـ”آشكاين”، أنه “في الوقت الذي يتابع فيه آلاف المزارعين الصغار بشمال المملكة بتهمة زراعة القنب الهندي، عفى بنكيران على مجموعة من كبار المهربين والمبيضيين بالسماح لهم بادخال أموالهم للمغرب بدون محاسبة”.

وانطلاقا مما سبق يتضح أن ظاهرة غسيل أو تبييض الأموال تتدخل فيها مجموعة من الأطراف، وتمس العديد من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل الدولة التي تعاني هذه الظاهرة أمام شبكة تتجاوز حدودها الترابية، ويجعل اقتصادها في خطر، وهو ما يدفع للتساؤل مرة أخرى: هل ما سن من تشريعات وقوانين لمحاربة الظاهرة كاف وناجع أم أن القوانين وحدها لا تشكل رادعا لهذه الأنشطة الإجرامية التي يصل ضررها إلى حد المساس بحياة المواطنين؟

وكيف يمكن محاربة الظاهرة دون التأثير على الاقتصاد الوطني والاستثمارات الأجنبية التي تحترم قانون المنافسة؟

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد