لماذا وإلى أين ؟

الخطاب السياسي في المغرب

سكينة عشوبة*

مقدمة

:صار التواصل السیاسي یلعب دورا طلائعیا في الحیاة السیاسیة، ولاعبا أساسیا في الحقل السیاسي ٕ ن تفاوتت درجات تأثیره بحسب طبیعة النظم السیاسیة. وفي تحدید المسار السیاسي داخل كل البلدان، وا إذ ما فتئ یضطلع بأدوار مهمة في توجیه الرأي العام وتحدید توجهاته خاصة مع التطور الكبیر الذي شهدته وسائل التواصل وتنوعها، وكذا تغلغلها في المعیش الیومي للمواطنین في مختلف بقاع العالم. لقد أصبح التواصل السیاسي أكثر من أي وقت مضى ذا قیمة استراتیجیة، لیس فقط في ربط جسور التواصل بین الفاعل السیاسي والجمهور، بل في ضخ دینامیة متجددة في الفضاء السیاسي، وفي طرق التعاطي معه. یشكل التواصل السیاسي عنصرا مهما في عمل الفاعل السیاسي، وفي الفعل السیاسي داخل حیاتنا المعاصرة، وفي تفعیل وتنشیط العلاقات المتبادلة بین السیاسي والجمهور، وبین الفاعلین السیاسیین أنفسهم، وبین المؤسسات السیاسیة المختلفة. كما یشكل إحدى الأدوات المهمة في الرقي بالعمل السیاسي، وفي تفعیل وظائفه، وتوطید مهامه عبر ما یخلفه من أثر بفعل النقاشات التي تتداول عبر أدواته وبواسطتها، وعبر الانتقال من مركزیة الخطاب السیاسي إلى التفاعل وتعدد الشركاء. ٕ خبار وتثقیف وتوعیة وتوجیه یضطلع التواصل السیاسي بوظائف متعددة، إذ یعمل على إطلاع وا وتسویق القضایا السیاسیة للمواطنین، والترویج للنقاشات والسجالات والأفكار السیاسیة، من أجل توحید القیم والأفكار السیاسیة بالمجتمع وتحدید مسارها. وقد استطاع التواصل السیاسي نشر مفردات خطابه وترویجه بین عموم مواطنیه، وفتح نقاش واسع حوله، وضمان إشعاعه خاصة في ذروة الممارسة السیاسیة، وفي المحطات السیاسیة الفاصلة لبلد ما، كفترة الانتخابات الرئاسیة أو الانتخابات المحلیة والجهویة والوطنیة وفي الاستفتاءات. و مكنت أدواته

المختلفة تیسیر التغلغل في مختلف أوساط المجتمع، فكل منها توجه لفئة معینة ولموضوع سیاسي محدد. فأضحى الخطاب السیاسي وأعلامه وقیاداته ومتداولیه یحظون بفرص متابعة أكثر، وتحقیق انتشار أوسع. جعل التواصل السیاسي من الموضوع والخبر السیاسي أمرا عادیا ومتداولا، وصار المجتمع بكل فئاته، ٕ ن بنسب متفاوتة مطلع على محتواه ومستوعب لمضامینه، وقادر على تحلیله وتقییمه بكل یسر وا وسهولة، وغدا الأفراد أكثر متابعة للأمور السیاسیة، وتلهفا لمتابعتها عبر مختلف الوسائل والأدوات التواصلیة خاصة بعد الطفرة التقنیة الحدیثة. ترجع أهمیة التواصل السیاسي لكونه قناة مجهزة بترسانة متنوعة من الأدوات، تسخر إمكانیاتها كلها لخدمة الخطاب السیاسي والترویج لمضامینه، ولضمان إشعاع أفكاره بین عموم المواطنین، ولتوحید الرؤى والقناعات السیاسیة التي تهدف المؤسسات السیاسیة نشرها في المجتمع وجعلها قیما ثابتة. تمتلك الأدوات التواصلیة خاصیة القدرة على اكتساح الحیاة الشخصیة للجمهور المتلقي، ذلك أنها تتمیز بالقدرة على التغلغل في الیومي الأسري، وفي الفضاءات العامة وفي حیاة الجموع المختلفة، سواء أكانت جموعا مهنیة أو فئویة أو قطاعیة أو سیاسیة… لذلك فهي تمتلك خاصیة اختراقیة، یساعدها التنوع والتعدد الوسائطي على بلوغ أهدافها بیسر وسهولة. وهو ما حدى بالقائمین على التواصل السیاسي إلى وضع سیاسة وخطة تواصلیة مدروسة بشكل جید، تتماشى مع أهداف القائمین على الفعل التواصلي والحقل السیاسي العام، وتتساوق مع الواقع، وتحایث المعیش الیومي لأفراد المجتمع. وتوظف مختلف الوسائل التقنیة، ومؤثراتها من صوت وصورة وموسیقى وألوان وحركة لضمان تأثیر فعال في المتلقي وتلقینه المضامین السیاسیة. غدا التواصل السیاسي قطبا أساسیا ومركزا للدراسات السیاسیة، بفعل تعدد القنوات التواصلیة، وقربها المتزاید من مختلف الفاعلین السیاسیین، وبحكم تزاید تموقعها في الصراعات وأجواء المنافسة التي تعد من الخصائص السیاسیة، كما تلعب دورا مهما في تغییر اتجاهات السیاسیین والفاعلین، والتأثیر

في الحیاة السیاسیة. ذلك “أن التواصل السیاسي كما یقدم نفسه للنظر من حیث هو نشاط متخصص في تقویم العمل والحكم السیاسیین لایمكن تصوره إلا متعلقا بمسألة التمثیل السیاسي، أي بطبیعة العلاقة 1 القائمة بین أهل السلطة السیاسیة ” الممثلین” وأولئك الذین تمارس هذه السلطة علیهم” الممثلین”. إن التواصل السیاسي ورغم ارتباطه بعلم السیاسة، یوجد في صلب الظواهر الانسانیة والاجتماعیة، وارتباطه بهما موغل في القدم یعود إلى النشأة الأولى للمجتمعات الإنسانیة، وما أفرزته نشأتها من آلیات لضمان استمراریتها واستقرار نظامها الاجتماعي. لكن الاهتمام به تنظیرا وممارسة حدیث العهد. و”التواصل السیاسي باعتباره ظاهرة إنسانیة، متغیر من زمن إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، فمنذ أن ظهر في قلب المجتمعات التقلیدیة ا أفرد متخصصون في ممارسة الحكم السیاسي، موضوعون في وضع وجوب تجسید “المجتمع” في تنوعه، بدأ اللجوء إلى تدابیر خلیقة بتسویغ أسباب هذا التفویض. إن جولة على التنوع الشدید لتمسرحات الحكم، من أقصاها إلى أكثرها معاصرة، تسمح بإدراك مدى تلازم هذا 2 البعد جوهریا مع ممارسة كل سلطة سیاسیة”. تستمد دراسات التواصل السیاسي أهمیتها من كونها “ترتبط بفعل سیاسي مركزي هو الشرعنة أي تلك الاستراتیجیات القصدیة التي یسلكها الفاعلون السیاسیون بهدف تبریر وجودهم ودورهم في الحقل السیاسي، ولجعل وجودهم ودورهم مقبولا. وحیث أن الشرعیة لم تكن أبدا معطى نهائیا أو بدیهیا أو ا عابر للتاریخ، فإن كل الفاعلین یجدون أنفسهم “مضطرین” إلى القیام بمجهود یكاد یكون یومیا بهدف صناعة القبول”.

فبناء الشرعیة في الحقل السیاسي یقابلها نزع الشرعیة عن الآخر، وتعتبر ضروریة لتبریر أي فعل تقوم به مجموعة اجتماعیة كیفما كانت طبیعتها في المجال العام. وقد تغلغل التواصل السیاسي بعمق في الحیاة السیاسیة المعاصرة، في عهد انتشار التقانة، وأصبح مثار نقاش مستفیض في مختلف المقاربات الفكریة والدراسات الاجتماعیة والسیاسیة والتواصلیة، واتسع مجال اهتماماته بفعل هذا الزخم الدلالي الناتج عن التحولات المعلوماتیة التي اخترقت الحدود، ویسرت التواصل والتفاعل بین مختلف مكونات المجتمع وجعلت المعلومة في متناول الجمیع. دواعي اختیار الموضوع: تعود أسباب اختیاري لموضوع التواصل السیاسي لأسباب متداخلة، منها ماهو موضوعي وما هو ذاتي، منذ بدایة بحثي في سنوات الإجازة اهتممت بالقوى السیاسیة والمجال بشعبة الجغرافیا، وطیلة فترة بحثي -آنذاك- الذي كان میدانیاـ ظلت مجموعة من الاشكالیات عالقة في ذهني، تنحت في مخیلتي باحثة عن إجابة مستفیضة، وتولدت لدي رغبة النبش أكثر في الموضوع، خاصة بعد لقاءاتي مع برلمانیین ومنتخبین جماعیین، وسكان مداشر بمدینة طنجة، وخلال بحثي لنیل ماستر الإشهار والتواصل واصلت الإبحار في العلاقة بین المجال العمومي والتواصل، وظللت وفیة لمساري السابق، حیث استحضرت في شقه المیداني العلاقة بین الخطاب السیاسي والمجتمع، والتفاعل بین أدوات التواصل ومختلف الدینامیات المجتمعیة، واستمرارا في مسار بحثي، اعتبرت بحثي هذا حلقة جدیدة ضمن حلقات الشغف بالموضوع الذي تولد منذ بدایة اهتمامي بالقوى السیاسیة والمجال، وأعتبره أیضا فرصة لمقاربة جزء من إشكالیات استوطنت دواخلي، و جعلت مني متابعة للیومي السیاسي الوطني والدولي ، بهدف فهم الواقع السیاسي المغربي، الذي دوما ولا زلت أستشعر بوجود حلقات مفرغة تحكمه، تحتاج إلى ترمیم

وقراءة صریحة من لدن الدارسین والباحثین للإجابة على الانتكاسة السیاسیة التي تعیشها مختلف المؤسسات السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة والإعلامیة والثقافیة بالمغرب. إن اختیاري موضوع التواصل السیاسي من خلال نموذجي حزبا: العدالة والتنمیة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبیة، اختیار ذاتي وهو في نفس الآن اختیار موضوعي، فالمتابع العادي للتواصل السیاسي المغربي منذ بدایة مرحلة حكومة التناوب التوافقي، یتلمس التغییرات التي عصفت بالحیاة السیاسیة المغربیة، ومارافقها من تحول في موازین القوى، إذ بدا واضحا تراجع حزب هیمن على الساحة وا نهایة التسعینیات، وكانت قیمه ومبادئه محط ٕ السیاسیة المغربیة منذ منتصف السبعینیات، لى حدود تقدیر من لدن المغاربة قاطبة، كما حظي باحترام خصومه والمتعاطفین معه قبل أعضائه هو: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبیة، وبالمقابل صعد نجم حزب ذو مرجعیة إسلامیة، استطاع الفوز في أول انتخابات نزیهة شهدها المغرب بعد التعدیل الدستوري لسنة 2011م، وبین هاتین المرحلین عاش الحقل السیاسي المغربي تجربة انبثاق حزب سیاسي جدید، كان یرمي إلى إعادة إنتاج تجربة إيجابية بامتیاز، وفرت له كل ظروف النجاح، وكاد یجسد النموذج الحزبي ، لولا الحراك الشعبي الذي عصف بالمنطقة العربیة سنة 2011م. وقد رافق هذه المرحلة أیضا تغییر جوهري في الخطاب السیاسي العربي عامة والمغربي خاصة، وبرزت أشكال لم تكن إلى عهد قریب مألوفة لدى عامة المغاربة أو لدى السیاسیین أنفسهم. أمام هذه المتغیرات قررت تناول التواصل السیاسي بالدراسة نظریا ومیدانیا، عبر اعتماد نموذجي حزب العدالة والتنمیة وأحزاب وطنية أخرى لسبر الموضوع، وتتبع مسار التواصل السیاسي بالمغرب. وبناء على ما سبق، تم اختیاري لهذا الموضوع نتیجة لعدة عوامل نجملها في ما یلي:

الرغبة في الانفتاح على الدراسات الإعلامیة والتواصلیة، خاصة بعد التطور الكبیر الذي باتت تعرفه، بفعل المستجدات العلمیة والنظریة، وبفضل الطفرة التقانیة، التي ترتبت عن میلاد وسائل تواصلیة جدیدة تتمیز بالآنیة والتفاعلیة. – محاولة تجسیر الهوة بین الدراسات الأكادیمیة والفاعلین السیاسیین والأداء والفعل التواصلي، من خلال الاهتمام بالمشترك بینهم، والمتمثل في الموضوعات التي تتساوق مع التغیرات المتسارعة التي تؤثر في كل منهم وتتأثر بهم. – الاهتمام بالتواصل السیاسي وتأثیراته المختلفة على الحقلین الاجتماعي والسیاسي. – الاهتمام ببحوث التواصل السیاسي في المغرب لتجاوز النقص في البحوث في هذا المجال، ولإیجاد إجابات عن مجموعة من الأسئلة التي تهم الحقل السیاسي المغربي في شقه التواصلي. – معرفة الأثر الذي تتركه الوسائل التواصلیة في المتلقي، ومدى تلاؤم مضامینها مع الواقع الاجتماعي والسیاسي المغربي من خلال نموذجي الدراسة المیدانیة. – تتبع مدى تعاطي الأحزاب السیاسیة المغربیة مع أدوات التواصل، وماهیة العلاقة التي تربط المكونین. – تلمس استفادة الأحزاب السیاسیة المغربیة من خلال نموذجي الدراسة لأدوات التواصل السیاسي أثناء تواصلهم. – تأثیر الأدوات التواصلیة على الجمهور عامة وعلى المنتخبین خاصة، وعلى سلوكیاتهم ومواقفهم، ودورها في حسم النتیجة الانتخابیة.

شكالیة البحث: ما شكل حضور الأدوات التواصلیة في الحقل السیاسي المغربي؟ وما طبیعة ونوعیة الاستراتیجیة التواصلیة التي تعتمدها الأحزاب السیاسیة المغربیة، من خلال نموذجي حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبیة والعدالة والتنمیة، والفاعلین السیاسیین؟ وما شكل المشهد السیاسي المغربي في ظل التطور التقاني الحدیث؟ في هذا الإطار تتناسل مجموعة من الفرضیات التي یسعى البحث إلى الإجابة عنها: x كیف تؤثر الأدوات التواصلیة على المتلقي؟ وما العلاقة التي تربط بین الفاعل السیاسي والأدوات التواصلیة؟ وبین هذه الأخیرة والرأي العام؟ x ما دور الأدوات التواصلیة في إدارة الحملات الانتخابیة؟ x ما هي أشكال التواصل الأكثر فعالیة في الحملات الانتخابیة للحزبین موضوعي الدراسة؟ x ما نوع الكفایات التواصلیة التي یتمتع بها الفاعل السیاسي والمجتمع المغربي؟ x ما هي تأثیرات التواصل السیاسي على الخطاب السیاسي، وعلى المشهد السیاسي المغربیین؟ فرضیات البحث: 9 تفاوت تعاطي المؤسسات السیاسیة المغربیة مع الأدوات التواصلیة حسب الغرض والموضوع، وعادة ما یكون الاهتمام به أكثر، في أنشطتها، في المحطات الفاصلة: في انتخابات المؤسسة الحزبیة، والبرلمانیة، وخلال الأنشطة الملكیة…الخ. 9 یمكن أن نرد عدم اهتمام المجتمع المغربي بالتواصل السیاسي التقلیدي إلى عدم ثقته في المؤسسات الرسمیة، مقابل اهتمامه بالتواصل بالأنماط الجدیدة، البعیدة جزئیا عن الرقابة، والأكثر حریة، خاصة في صفوف الشباب.

توظیف الأدوات التواصلیة لبناء جسور من الثقة بین الفاعل السیاسي وأفراد المجتمع، ومصالحة هذا الأخیر مع صنادیق الاقتراع. تستلزم مقاربة هذا الموضوع رؤیة شمولیة تستحضر دراسة التواصل السیاسي في علاقاته المختلفة بالشأن الاقتصادي، والاجتماعي والفكري، واستحضار كل النظریات والنماذج التي درست نجاعته وأشكاله وتفاعلاته وتأثیراته المختلفة. منهجیة البحث: تم اعتماد مبدأ المزاوجة بین النظري والتطبیقي، والانتقال من العام إلى الخاص، و قد حاولت عبر خمسة فصول المزج بین منهجین علمیین رئیسان یحكمانها في كثیر من التفاصیل والمعطیات هما: المنهج الوصفي والمنهج التحلیلي، وظلت الموازنة بینهما منهجا حاكما للبحث في معظم مراحله. ففي الفصل الأول من البحث الذي عنون: ب”المجال العام” قاربت مفهوم المجال العام، موضحة علاقاته المختلفة من خلال عدة مباحث هي: “هابرماس” Habermas والمجال العام، وسیاق تشكله كمجال یعج بالتفاعلات، وكذا مساءلة صفة المجال التواصلیة. یحمل الفصل الثاني من البحث عنوان: “النظریات التواصلیة” حاولت خلاله النبش في مختلف النظریات والنماذج التواصلیة التي ظهرت منذ بدایة القرن العشرین، وفي ذروة تصاعد وهیمنة نظریة التواصل، بعد منتصف القرن العشرین وبدایة القرن الواحد والعشرین. هذه الدراسات والنظریات التي كانت ترمي إلى دراسة مدى نجاعة وقوة الأدوات التواصلیة في التأثیر على المتلقي، وتحدید اختیاراته وتوجیهها، وتركیزها باتجاه قضایا معینة دون غیرها. تناول هذا الفصل -أیضا- أنواع الجمهور واختلافاته؛ حیث لم یعد مقبولا التعاطي معه بوصفه كتلة موحدة، إنما أصبح المطلوب استحضار تفاوتات المتلقي أثناء إرسال الرسالة التواصلیة، خصوصا

وأن الدراسات التواصلیة اعتبرت الجمهور العنصر الفیصل في إثبات نجاعة الأدوات التواصلیة من عدمها، وراحت تتصور الجمهور على أنه نشط مستقل في ممارسته، ملتزم بتجربة فردیة واجتماعیة معا، ولم تعد تكتفي بنموذج واحد أوحد أثناء التعامل مع المتلقي. أكد هذا الفصل أیضا على أن ظهور وسائل الإعلام الجدیدة، غیر وجهة الدراسات الإعلامیة رأسا على عقب، وجعل منها كتلة من التفاعلات الداخلیة والخارجیة، المؤثرة والمتأثرة، الاندماجیة والتجزیئیة. لقد وضع هذا الأدوات التواصلیة في محنة حقیقیة أثناء اختیار أشكال تلقي الرسالة، حتى تلقى القبول من لدن نسبة مهمة من الجمهور، ولعل هذا ما یفسر الهجرة الكبیرة لفئات عریضة من الجمهور اتجاه قنوات عربیة وغربیة. في الفصل الثالث تم الحدیث عن البعد السوسیولوجي للأحزاب، فالأحزاب السیاسیة لم تنشأ بشكل فجائي واعتباطي، بل كمؤسسات سیاسیة، ارتبط ظهورها، وتطورت كینونتها بالعلاقة مع نسق اجتماعي واقتصادي محدد، داخل مجتمعات قطعت أشواطا مهمة من تطورها السیاسي. تضمن هذا الفصل مباحث كبرى، وقف المبحث الأول عند تعریف الجمعیة، والنقابة، والحزب وسیاق نشأته، في حین تناول المبحث الثاني الحزب باعتباره مجموعة اجتماعیة. أما المبحث الثالث، فركز على البعد التواصلي للأحزاب السیاسیة، في حین تناول المبحث الرابع بنیة الحزب. اعتبرت في هذا الفصل الحزب مجموعة اجتماعیة بالأساس، تطورت وتكونت وفق سیرورة سیاسیة واقتصادیة واجتماعیة فرضت على المجتمع وأعضائه ابتكار أشكال جدیدة للاستمراریة والتنظیم لضمان توازن المجتمع، وخلصت فیه إلى أن الهدف التواصلي هو في صلب تكوین الأحزاب. ذلك أن المجموعات الاجتماعیة لما بلغت مستوى ا كبیر من الاتساع والتطور، وجدت أن الصیغ القدیمة التي كانت تنتظم داخلها یجب أن تتطور، وهو ما أفضى إلى میلاد الأحزاب السیاسیة بصیغتها الجدیدة التي تحقق مبدأ

المشاركة السیاسیة لفئات عریضة من أفراد المجتمع، من خلال الحزب الذي تدعمه أو على الأقل الذي صوتت لصالحه. في حین قارب الفصل الرابع من الأطروحة إشكالیة: “التواصل السیاسي: المفهوم، أنواع الأدوات، التأثیرات، ثم الأداء”، عبر مجموعة من المباحث: تطرق المبحث الأول إلى مفهوم التواصل السیاسي، الذي بات عصب الحیاة السیاسیة، سواء بالنسبة لمحترفي العمل السیاسي أو بالنسبة لعموم المواطنین. وغدا الناظم الفعلي للعلاقة بین الحاكم والمحكوم، وسبیلا أساسیا لاكتساب المشروعیة، وممارسة التأثیر والضغط السیاسي، وتحقیق أهدافه. أما باقي المباحث فتطرقت إلى التواصل في علاقته بالجمهور، بمعنى علاقة الجمهور بالوسائل التواصلیة. لقد قمت باستعراض وتحلیل أنواع الجمهور، والتطور الذي شهده هذا المفهوم، وعلاقته بالوسائل التواصلیة. كما صنفت الجمهور بحسب وسائل التواصل، حسب الخصائص الأولیة، مثل السن، والجنس، والمستوى التعلیمي، والمستوى الاقتصادي، واعتمادا على الخصائص النفسیة، والاختلافات والفروقات النفسیة، ثم على أساس عادات التواصل. یصنف الجمهور أیضا إلى جمهور عام وا ، وجمهور خاص ٕ لى جمهور عادي، وجمهور مفترض ثم إلى جمهور فعال. في هذا الفصل قاربت تأثیرات وسائل التواصل السیاسي المتنوعة، ووقفت عند أهمیتها، أهدافها، تطورها وتأثیراتها على الجمهور، وفي مبحث آخر، ركزت على القضایا المتعلقة بالأ احزب والتواصل السیاسي. في الشق الثاني من البحث، قسمت الفصل الخامس إلى شقین: نظري وتطبیقي، قدمت في الشق الأول الحزبین موضوع الدراسة وسیاق تشكلهما وتطورهما، ودواعي اختیاري لهما كنموذجین للدراسة،

وا یة الدراسة وفرضیاتها، وعرجت على الدراسات السابقة التي قاربت الموضوع أو عرضت لجانب من ٕ شكال جوانبها، وحددت منهجیة البحث المیداني وفرضیاته وتساؤلاته. أما الشق الثاني، فتضمن الدراسة وخلاصاتها وتحلیلاتها عبر مجموعة من المباحث، اهتمت بنوع الخطاب السیاسي بالمغرب، ومیزة المشهد السیاسي المغربي، وتفاعل المواطنین مع الخطاب السیاسي والخطاب الحزبي، ملاحظاتهم على الأداء التواصلي للأحزاب المغربیة عامة، ومدى الحضور التواصلي لكل من حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبیة والعدالة والتنمیة في المجتمع المغربي. طیلة رحلة البحث، ازداد سعیي لتغییر وجهته، خاصة في ظل وفرة المادة التواصلیة من كتب ومقالات، فكثیرا ما صادفت كتبا دفعتني محتویاتها إلى تحویل وجهتي، ٕوالى إعادة فصول كنت قد أنهیتها، كما دفعتني وفرة المادة حول الموضوع إلى اعتماد المراجع الحدیثة جدا. على وفرة المراجع إلا أن بعضها مترجم بصورة ردیئة، وغیر منقح لغویا، رغم تضمنه لأفكار قیمة، وقد أثر هذا سلبیا على بعض الإحالات التي اعتمدتها، خاصة عندما كنت أعجز أحیانا عن العثور على النسخة الأصلیة في لغتها الأصلیة.

 طالبة وباحثة، ماستر التواصل السیاسي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

تعليق 1
  1. مقاطعون :

    للاسف الشديد الخطاب السياسي المغربي رغم انه يحقق اهدافه بالتأثير على فئة عريضة والوصول لسدة الحكم, الا انه يعتمد اساسا على دغدغة مشاعر المواطنين واللعب على حاجتهم وحقهم في العيش والذي هو من المسلمات دون النظر لمشروع حزبي حقيقي يساهم في تغيير شامل.
    تعدونا بشكل عام السباحة مع التيار وخلاف ذلك تتم شيطنته دون مواجهته بالحجة والدليل وهذا يرجع لقلة الوعي والادراك الحقيقي لاهمية بناء مستقبل امة وليس مجرد بناء منزل وامتلاك سيارة.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد