شهادات صادمة وواقع مؤلم لمهاجرين أفارقة بالمغرب

باتت مشاهدة مهاجرين من دول جنوب الصحراء في الشوارع العامة بمختلف المدن المغربية أمرا مألوفا، بعد أن أصبحوا يقصدون المملكة كوجهة استقرار أو كنقطة عبور نحو الجنة الأوروبية التي تعد بمثابة حلم عدد كبير من سكان القارة السمراء التي كانت ولازالت تعاني تحت وطأة الفقر والحروب والكوارث الطبيعية والصراعات العرقية إضافة إلى تفشي مظاهر الفساد والاستبداد مما يؤدي إلى ارتفاع نسب البطالة وسوء الأوضاع الإجتماعية في ظل النقص الحاد في البنيات التحتية وكل ما يضمن العيش الكريم للفرد الإفريقي.

فأمام كل هذه الظروف المزرية يفضل عشرات الآلاف من سكان دول جنوب الصحراء الهجرة نحو الشمال وبالضبط صوب المغرب نظرا لقربه الجغرافي من القارة الأوروبية التي لا تبعد عن المملكة سوى بكيلومترات قليلة، لعل هذا القرار سيكون بمثابة حل لكل المعاناة التي يتكبدها هؤلاء المهاجرون بعد أن ذاقوا الويلات في بلدانهم، فمنهم من وجد في المغرب ملاذا للاستقرار وتحسين نمط العيش، ومنهم من ظل في المغرب يتحين فرصة الهجرة إلى أوروبا، بطرق تكون في أغلبها غير شرعية، عبر الاستعانة بمافيات التهريب التي تنشط أساسا في مدن الشمال.

هذه الهجرة اصطدمت بتحويل المغرب إلى “جمركي” من طرف بعض الدول الأوروبية خاصة فرنسا واسبانيا بفعل الأزمة الإقتصادية التي ضربت أوروبا قبل سنوات، حيث بات من الضروري على السلطات المغربية تقنين هذه الهجرة ووضع شروط ومساطر قانونية لتخفيض الضغط المفروض عليها جراء قوافل المهاجرين التي تتقاطر غالبا عبر الصحراء شمال موريتانيا أو من الحدود الجزائرية بطرق غير شرعية.

جحيم على الحدود

أكد عدد من المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء خلال تصريحهم لـ”أشكاين” أن أسود أيامهم قضوها خلال وصولهم إلى الجارة الشرقية الجزائر، بعد أن قدِموا إليها عبر الحدود المالية، حيث يتم اعتقالهم وتجميعهم في ظروف لاإنسانية واحتجازهم لأيام أو لأسابيع دون أكل أو شرب مع تشديد الحراسة الأمنية عليهم قبل أن يتم تكديسهم في شاحنات مدنية أو عسكرية ورميهم على بعد أمتار من الحدود المغربية في الصحراء.

“ماكسيم غوتو”، (32سنة) مهاجر سيراليوني، قال في حديث مع “آشكاين”: “ظننت أنني هربت من الظروف المأساوية التي عشتها في بلدي، لكنني صُدمت مما تعرضنا له قبل سنتين على الحدود الجزائرية المالية؛ حيث رأيت بأم عيني جنودا يقومون بتعرية مجموعة من النساء اللواتي رافقننا ويعبثون بأعضائهن الحساسة بدون رحمة، دون مراعاة لمشاعر أزواجهن أو أطفالهن، بل إن هناك مهاجرات حوامل وفي شهور متقدمة أجهضت إحداهن أمام مرأى ومسمع الجنود بفعل المعاملة القاسية، ودون أن يقدموا لها المساعدة اللازمة”.

وتابع “ماكسيم”، وهو يغالب دموعه، “خاطبني جندي قائلا: لن تعودوا إلى بلدانكم ولن تدخلوا الجزائر، بل سوف نرمي بكم في صحراء قاحلة حتى تكونوا فريسة للضباع والذئاب”، ثم أضاف:” قلت في قرارة نفسي بأنها النهاية فمن الأفضل أن أموت بين فكِّيْ وحش على أن نستمر في هذا الوضع، ومرت أيام ونحن نتضور جوعا وعطشا، إلى قرروا في آخر المطاف نقلنا نحو نقطة تبعد عن الحدود المغربية بحوالي كيلومتر واحد، حينئذ تم إطلاق الرصاص في الهواء من أجل تهديدنا ودفعنا للتقدم أكثر صوب المغرب، وهو الأمر الذي امتثلنا له لخوفنا على حياتنا”.

“اقتربنا بعشرات الأمتار من الحدود المغربية فطلبنا المساعدة من بعض سكان إحدى القرى هناك، فقدموا لنا الطعام والأغطية، وبقينا لمدة أسبوع على هذا الوضع وبدأنا نتحين الفرص من أجل الهرب نحو التراب المغربي فهناك من نجح في المحاولة أما الذين فشلوا فلا أعرف مصيرهم لحدود الساعة”، يقول “ماكسيم” متحفظا عن ذكر الطريقة التي قادتهم إلى الدخول إلى المغرب.

هروب من البطالة وارتماء في بطالة من نوع آخر

دانيال مارا (30 سنة)، مهاجر من غينيا كوناكري، قال إنه “حصل على دبلوم عالٍ في المواصلات سنة 2013 وبسبب نسبة البطالة المتفشية في بلده قرر الهجرة إلى المغرب بطريقة مشروعة، حيث مدّه والده المتقاعد بالمال من أجل السفر عبر الطائرة نحو مدينة الدار البيضاء، قبل أن يتوجه إلى العاصمة الرباط بمساعدة أحد أصدقائه فالتقى عددا من المهاجرين من بلده وقرروا اكتراء شقة بحي القامرة، حتى يتسن له الإستقرار والتفرغ للبحث عن عمل”.

ويضيف المتحدث في تصريحه لـ”آشكاين”، “بدأت رحلة البحث عن فرصة شغل بالدبلوم الذي حصلته عليه، وكنت أعتقد أن الأمر بهذه السهولة، إلا أن أغلب الشركات التي قصدتها كانت ترفضني معللة ذلك بكون الشهادة التي أحملها غير معترف بها في المغرب، بل أكثر من ذلك يجب أن أكون متوفرا على بطاقة الإقامة التي تُعد مفتاحا للكثير من المشاكل”، ويردف “دانيال مارا”: “منذ وصولي إلى المغرب في أواخر سنة 2016 وأنا على هذا الحال إلى أن اهتديت بفضل صديق مغربي إلى ضرورة التوجه إلى ولاية الرباط لوضع طلب الحصول على بطاقة الإقامة بعد أن وصل إلى علمي بأن المغرب شرع في عملية تسوية وضعية المهاجرين، وهو الأمر الذي فعلته بدون تردد شهر أبريل من السنة الجارية (2017) لكن الوضع بقي على حاله إلى يومنا هذا، فكلما سألت عن ملفي لدى المصالح المختصة يتم إخباري بأن الإجراءات لازالت جارية وأنه يتوجب عليَّ الانتظار”.

“كيف تعيش في المغرب وأنت عاطل عن العمل؟”، تسأل “آشكاين” فيجيب “دانيال”: “هو نفس الموضوع الذي يؤرقني صباح مساء، فأبي المتزوج بأربع نساء والذي له من الأطفال تسعة، يرسل لي كل شهر 500.000 فرنك غيني، أي ما يعادل 500 درهم مغربي، وهو مبلغ مرتفع جدا في بلدي، لكن هنا لن يُمَكنني من العيش أبدا ورغم ذلك فأنا أقطن رفقة مهاجرين اثنين داخل شقة صغيرة وأؤدي مبلغ 400 درهم نظير ذلك وبالتالي فلا يتبق لي سوى 100 درهم، هو أمر مضحك ومبكٍ في نفس الوقت”، ويضيف المتحدث “أقضي اليوم متسكعا بين المقاهي وفي الشوارع أتسول وأطلب المساعدة من أجل سد رمقي، وغالبا ما أحصل على دراهم معدودات أشتري بها بعض الطعام، ولكن للأسف أصبح هذا التسول تصرفا يكرهه المغاربة ويتنافس فيه المهاجرون، فسلكت طريقة أخرى حيث أقوم بارتداء ملابس نظيفة ومحترمة ولا أطلب النقود إلا من أشخاص تبدو عليهم علامات اليُسر”.

“دانيال” أكد على أن الوضع الذي يعيشه لا يجب أن يستمر طويلا وأن ما يقوم به هو حل مؤقت لأزمته في ظل استحالة إيجاد عمل بسبب عدم حصوله على بطاقة الإقامة، مشيرا إلى “أنه لا يفكر أبدا في الهجرة نحو أوروبا مادام قد وجد في المغرب وأهله ما لم يجده في وطنه الغارق في الفساد والبطالة المستفحلة والأمية وانعدام ظروف العيش الكريم”، كما أوضح “أن هدفه –بعد التوفر على بطاقة الإقامة- هو إيجاد فرصة عمل في تخصصه حتى وإن اقتضى الأمر الحصول على دبلوم معترف به من طرف الدولة المغربية، بعد تلقي تكوين من جديد”.

تجارة مربحة لكن…

قرب محطة سيارات الأجرة بباب شالة وسط العاصمة الرباط، يصطف العشرات من المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء حيث يعرضون سلعهم ذات الطابع الإفريقي في أغلبها، حتى يتسنى لهم بيعها لزبنائهم المغاربة أو للسائحين المُقبلين على المملكة من دول أخرى، غير أن ما عاينته “أشكاين” هو أن السلطات عمدت إلى منع عدد كبير من الباعة المتجولين المغاربة من بيع سلعهم مقابل التساهل مع نُظرائهم الأفارقة.

وتقول “زولا علي” (36 سنة) وهي مهاجرة مالية مقيمة بالمغرب منذ خمس سنوات، “وصلت للمغرب سنة 2012 بعد رحلة شاقة تلتها شهور من المعاناة والتشرد بأزقة وشوارع عدد من مدن المملكة بما فيها الناظور والفنيدق وطنجة حيث حاولت مرات كثيرة التسلل نحو مدينتي سبتة ومليلية من أجل حلم العيش في الضفة الأوروبية، غير أن ذلك باء بالفشل في السنة الأولى من وصولي، فقررت البحث عن عمل وأول ما فعلته هو فتح صالون للحلاقة النسائية على الطريقة الإفريقية، بعد أن اقترضت بعض النقود من أصدقاء لي مستقرين في المغرب فاستمر المشروع لسنتين كاملين استطعت خلالهما تشغيل مهاجرتين اثنتين وذلك مباشرة بعد حصولنا على بطاقة الإقامة”.

غير أن “زولا” عادت بها الحياة إلى نقطة الصفر في المغرب بعد أن وفرت مبلغا مهما من المال وقررت الهجرة إلى اسبانيا عبر قوارب الموت غير أن المحاولة الاخيرة كان مآلها الفشل أيضا بسبب إحباط السلطات للعملية في إحدى الشواطئ القريبة من مدينة تطوان، “فضاع كل شيء مني”، تقول المتحدثة ثم تستدرك، “غير أنه وبفضل إحدى الجمعيات المدنية تم تمكيننا من بعض الملابس والأغطية ومساعدتي شخصيا على العودة إلى مدينة الرباط حيث يوجد عدد كبير من أصدقائي الذين عاودت التواصل معهم وأقرضوني مبلغا بسيطا لاستيراد بعض العطور والمراهم والحلي إضافة إلى خصلات الشعر الاصطناعية ومواد التجميل من دول جنوب الصحراء لبيعها هنا في المغرب، وهو المشروع الصغير الذي نجح فعلا فتمكنت من أداء كل ديوني واكتراء شقة أوسع بحي التقدم رفقة ثلاث صديقات”.

“لكن بعد استقرارك ماديا وحصولك على بطاقة الإقامة، هل ستحاولين مرة أخرى الهجرة نحو بلد أوروبي، وأنت أفضل حال من آلاف المهاجرين الآخرين؟”، سؤال وجهته “آشكاين” فأجابت “زولا” بكل ثقة في النفس، “نعم، سأحاول بشتى الوسائل لكن هذه المرة سأحاول بالطرق القانونية الممكنة لأنني كنت على وشك الموت في المحاولة الأخيرة، ولأن حلم الوصول إلى أوروبا لازال يراودني وتواجدي هنا مسألة وقت فقط، لذلك رفضت الزواج وإنجاب الأطفال حتى لا أكون مُقيدة بشيء قد يعرقل الحلم”.

وعموما وحسب المعطيات التي استقتها “آشكاين”، فإن المهاجرين الذين يجعلون من تجارة الرصيف مصدرا لعيشهم يتمكنون في أضعف الحالات من سد حاجياتهم وضرورياتهم اليومية المتمثلة في الأكل والسكن واللباس بل إن منهم من يذخر مبالغ مالية من إرسالها لذويهم أو لاستعمالها عند الحاجة، فهي تجارة مربحة رغم بساطتها مادام أصحابها لا يؤدون ضرائب للدولة ومادام الإقبال عليهم يكون غالبا بنسبة لا بأس بها إذ أن بعضهم حاول تطوير نوعية المبيعات لتصل إلى الهواتف النقالة والألواح الإلكترونية والحواسيب وأجهزة أخرى.

لكن إذا تم النظر إلى هذه التجارة البسيطة من زوايا أخرى فإنه يصعب على أغلب أصحابها الوصول إلى مستويات أكبر بسبب عدم حصولهم على بطائق إقامة التي تخول لهم إمكانية البيع داخل محلات تجارية أو إنشاء شركات خاصة بهم يؤدون من خلالها الضرائب. بل إن البطاقة لا يمكن اعتبارها حلا سحريا لكل المشاكل فمنهم من توصل بها غير انه لازال يزاول نفس العمل ومنهم من لازال يكرر محاولة الهجرة نحو أوروبا، و “زولا علي” هي خير مثال على ذلك.

سياسة الهجرة بالمغرب.. إلى أين؟

ويرى بلال الجوهري مسؤول التواصل بالمجموعة المناهضة لعنصرية والدفاع عن حقوق الأجانب، وهي منظمة مغربية تنشط في الميدان منذ عدة سنوات، (يرى) “أنه لا أحد يعرف نتائج سياسة الهجرة التي تبناها المغرب مؤخرا بحكم أنها جديدة وبالتالي فإن هذه النتائج لن تظهر إلا على المدى البعيد ، ولا يمكن الحكم عليها خلال سنة أو سنتين، لذلك وجب التريث والإنتظار، لكن الشيء الأكيد هو أن هذه السياسة ستعود بالنفع والإيجاب على المغرب”، معللا ذلك بأنه ” إذا تم استقبال مهاجرين في ظروف إنسانية مع ضمان حقوقهم وعيشهم في أمن سلام فهذا في حد ذاته مكسب جيد للمملكة لأن الأجنبي سيكتسب حتما روح المواطنة داخل الوطن المضيف”.

وشدد الجوهري في تصريح لـ”آشكاين”، على أن ما نراه في المدن والشوارع المغربية من تعامل تفضيلي للسلطات المغربية مع المهاجرين في بعض الأحيان، على عكس ما يتم التعامل به مع المغاربة أو العكس، فهذا نتاج مباشر لطريقة تنزيل السياسات التي تبدو في شكلها وعلى الأوراق مثالية في حين يختلف تطبيقها باختلاف المناطق والمسؤولين والمؤسسات، وهذا طبعا أمر لا يستقيم ونرفضه كحقوقيين، إذ يتوجب على السلطات البقاء بنفس المسافة مع المغاربة والأجانب”.

وحسب إحصائيات عملية “تسوية” التي باشرتها وزارة الداخلية مطلع السنة الجارية، يقول الجوهري، “فإن عدد المهاجرين الوافدين من دول جنوب الصحراء هو 20 ألف مهاجر من أصل نحو 80 ألف أجنبي في المغرب أغلبهم فرنسيون، لكن هذه العملية (تسوية) لم تُعطِ بعد الثمار المرجوة منها لأنها لم تنتهِ بعد وبالتالي فلم يحصل أي مشارك فيها على بطاقة الإقامة لحدود الساعة”.

وأضاف المتحدث، “لقد سجلنا العديد من النقاط السوداء في عملية تسوية التي أطلقتها وزارة الداخلية بداية سنة 2017، والتي من أبرزها فرض شروط تعجيزية على المهاجرين الذين ينشدون تسوية وضعيتهم، ومن أبرزها أن يثبت المهاجر بأنه مقيم في المغرب لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وكذا تقديم نسخ جواز السفر، علما أن عددا منهم لا يتوفرون على جوازات، إضافة إلى ضرورة توفرهم على عقود عمل وغيرها من التعقيدات التي تدفع عددا من المهاجرين إلى مقاطعة هذه العملية”، موضحا أنه “قبل عملية تسوية كان هؤلاء يحصلون على بطاقة الإقامة غالبا عبر عقود العمل أو عن الطريق الزواج بمواطن أو مواطنة مغربي (ة)”.

المقاربة الأمنية والعنصرية ضد المهاجرين الأفارقة

ويقول الفاعل الحقوقي ذاته، “إنه من الأمور السلبية المسجلة منذ نهاية عملية “تسوية” لسنة 2014 ومع مطلع سنة 2015، نهج السلطات المغربية لمقاربة أمنية قوية عبر حملة تمشيطية واسعة وخطيرة ضد المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء والذين وصلوا إلى نواحي مدينتي الناظور وتطوان من أجل محاولة العبور إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، ولحدود الساعة فهناك ترحيلات لأعداد كبيرة من هؤلاء المهاجرين من مدن الشمال نحو المدن الكبرى والداخلية، مما يولد مشاكل عديدة كتلك التي تابعناها في مدينة الدار البيضاء بالقربة من المحطة الطرقية ولاد زيان، وبالتالي فكل الإنفلاتات الأمنية التي تقع بين الفينة والأخرى مع هؤلاء المهاجرين ما هي إلا نتيجة لتلك المقاربة الأمنية غير المبررة ماداموا (المهاجرون) لم يطلبوا شيئا سوى الهجرة نحو أوروبا عبر ثغري سبتة ومليلية أو عبر القوارب، لذلك فماذا ننتظر من شخص يتم إرغامه على البقاء في المغرب وهو لديه مشروع هجرة نحو بلد آخر؟ ” يتساءل بلال الجوهري ثم يستدرك قائلا: “إذا كنا نستنكر طريقة تدبير الدولة المغربية لهذا الملف عبر مقاربتها الأمنية في الشمال وكأنها تقدم خدمة للجارة اسبانيا لحماية حدودها، فإننا نثمن كثيرا رفض السلطات الرضوخ للإتحاد الأوروبي عبر عدم توقيعها على الإتفاقية التي تسمح لهذا الأخير بإعادة ترحيل المهاجرين الأفارقة نحو المغرب بعد أن تمكنوا من الوصول نحو أوروبا، فما قامت به الدولة بهذا الخصوص أمر جيد لأنها فرضت هيبتها وسيادتها على دول الضفة الأخرى”.

ومن المشاكل العويصة أيضا، يردف الجوهري، ” نسجل في العديد من المناسبات حالات عنصرية ضد هؤلاء المهاجرين؛ فعادة ما يتم رفض كراء الشقق لهم من طرف مواطنين مغاربة لا لشيء سوى لأنهم أفارقة ذوو بشرة سوداء، أو رفض علاج هؤلاء المهاجرين في مستشفيات مغربية بدعوى عدم توفرهم على وثائق هوية رغم أن القانون الداخلي في هذه المؤسسات الطبية يقول بضرورة تقديم المساعدة لأي شخص يوجد في حالة خطيرة بغض النظر عن لونه أو جنسه أو هويته أو جنسيته، كما يتم تسجيل سوء فهم في بعض الأحيان بين مهاجرين وموظفين أو مسؤولين داخل إدارات عمومية، وهنا نعود لنقول بأن هناك فعلا خلل في تفعيل القوانين على أرض الواقع”.

وعموما، يضيف بلال الجوهري، “فإن المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء دائما ما يكونون ضحايا، خاصة في ما يخص الحزازات السياسية، مثلا بين المغرب والجزائر كما حصل مع عشرات السوريين الذين بقوا عالقين في الحدود بين البلدين لشهور طوال”، مشيرا إلى أن “عملهم كحقوقيين على عدة ملفات تخص المهاجرين آخذ في إعطاء ثماره كما حصل حين تدخلت المنظمة من أجل إنهاء أزمة مهاجرين سوريين وكذا أفارقة كانوا عالقين في مناطق حدودية، إضافة إلى مساعدة عدد كبير من المهاجرين الذين تم توقيفهم في المطارات لأيام وأسابيع..”

غير أن تعدد أطراف معادلة الهجرة، وصعوبة إدراك حل يحفظ الإنسجام والتوازن بين حقوق كافة أطرافها، دول المصدر ودوّل العبور ودوّل الإستقبال والمهاجر. لا يعطي المبرر، ولا يشفع للمغرب ولا لغيره في النيل من حقوق الطرف الأساسي في المسألة ، هو شخص المهاجر، فهو الإنسان، تجب ضمان وصيانة حقوقه وحرياته الأساسية، وتوفير الحماية له ووضعها فوق كل إعتبار آخر سياسي، أو مصلحي. فالإنسان مكرم بطبعه وأصله، بمقتضى القانون الدولي والشرائع السماوية،

من جانبه يؤكد صبري الحو، الخبير في القانون الدولي، الهجرة ونزاع الصحراء، على أن تعدد الأطراف المتدخلة في المعادلة، لا يبرر خرق الحقوق والحريات الأساسية للمهاجر، ويفسر ذلك بأنه “رغم أن للهجرة تداعيات داخلية وذات طابع إجتماعي و حقوقي و إنساني خاصة بعد ما أسفر عليه الواقع الجديد، الذي يطبعه اتخاذ المهاجرين الأفارقة للمغرب موطنا ومستقراً لهم، وتفاعله مع واقع مغربي في كافة تجلياته، وبروز نوع من ردات فعل مجتمعية، بالرفض أحياناً، تجسدت في أعمال عنف، و اصطدامات أحيانا، بين المواطنين المغاربة والمهاجرين، بسبب الإحتكاك، كتلك التي حدثت بأولاد زيان بالدار البيضاء، أو تتخذ شكل تعبيرات أو كتابات أو سلوكيات عنصرية، أو جرائم، يتم السيطرة عليها، و احتواؤها أمنياً، و تصاحبها مبادرات محتشمة للمجتمع المدني، بحملات التوعية والتحسيس، مثل مبادرة “ماسميتيش عزي”، وهذا الوضع هو نسخة طبق الأصل لما عاشته إسبانيا خلال بداياتها مع الهجرة، سواء مع المغاربة أو الأفارقة، مع فارق كبير في كون السوق الاقتصادي لإسبانيا يحتاج إلى عمالة يوفرها المهاجر في مقابل المغرب الذي فرض عليه وضع الإستقلال دون حاجة وفِي ظل عدم الاستعداد المجتمعي وشح الإمكانيات”.

تفاقم أزمة المهاجرين بالمغرب

أغلب الروايات التي تم استقاؤها من مهاجرين منحدرين من دول جنوب الصحراء، أجمعت على أنهم لم يجدوا في المغرب نعيما مثاليا يعوضهم عن المآسي التي عانوها في بلدانهم؛ حيث وجد عدد كبير منهم أنفسهم أمام تعقيدات مسطرية لتسوية أوضاعهم ليرتموا بعد ذلك إلى أحضان العمل الحر كالتجارة أو الإشتغال في أوراش البناء أو مكابدة ويلات البطالة.

يتصادف نظر المارة في الشوارع والساحات المغربية مع أفراد أو جماعات من ذوي البشرة السوداء، فتتبادر للذهن عدة أسئلة منها: كيف يعيش هؤلاء؟ ماذا يفعلون طوال اليوم في الشارع؟ ماذا يأكلون؟ ماذا يشربون؟

أسئلة وغيرها يجيب عنها “ماكسيم” بالقول :” نعم هو وضع مأساوي ومؤسف يعيشه أغلبنا بالمغرب، فمنا من يعيش بالتسول ومنا من يقتات على فُتات المقاهي والمطاعم والجيران، ومنا من يشتغل في النوار، وهناك أيضا مهاجرون يتابعون دراستهم بالجامعات أو مدارس خاصة مغربية بحكم انتمائهم لعائلات ميسورة نسبيا في بلدانهم الأم”، ثم يضيف نفس المتحدث :”في الرباط والبيضاء والمدن الداخلية عموما نجد أن وضع المهاجرين لا بأس به مقارنة مع مدن الشمال، فإذا كان هؤلاء يبيتون في الشوارع ودرج العمارات والمحطات الطرقية في الداخل، ففي الناظور مثلا يعيشون داخل الكهوف والمغارات والغابات ويقيمون مخيمات بدائية الصنع لعلها تقيهم من الحر والقر، أو للاختباء من عيون السلطات التي تقوم بين الفينة والأخرى بتمشيط هذه المناطق لإخلائها”.

بينما تقول “زولا”:” أغلب المهاجرين يفضلون العيش في جماعات، وهذا ما يفسر ظهورهم بشكل كثيف في مختلف الشوارع أو الساحات العامة أو الأسواق، ففي ذلك حنين للبلد الأم وأيضا حنين للتواصل مع أبناء وطنك من أجل التعاون والتضامن، هذا ليس مشكلا، بل هو أمر إيجابي وينطبق أيضا على المغاربة الذين يعيشون في دول أوروبية؛ إذ يشتاقون لرؤية أشخاص يحملون نفس جنسيتهم ويتحدثون لغتهم ويأكلون أطباق بلدهم، وفي عموما فتجمعات المهاجرين بهذا الشكل لا يمكن ربطها أساسا بالبطالة ففي الأسواق نعمل سويا جنبا إلى جنب ونقدم المساعدة لبعضنا البعض ونفس الشيء بالنسبة للسكن إذ يفضل معظمنا أن يقطن في عمارات قد تضم أزيد من أربعين فردا”.

“دانيال”، يرى أن تجمعات الأفارقة لها تفسير آخر وهو الهاجس الأمني، إذ أن نسبة الاعتداء على المهاجرين تقل بشكل كبير كلما كانوا متحدين ومجتمعين، وهو الأمر الذي حصل مثلا في الدار البيضاء، فلو تمت محاصرة فرد واحد منا لحصل ما لا تُحمد عقباه، ولكن – رغم أن الحادث مؤسف – الإتحاد بين المهاجرين هو دفاع عن النفس بالدرجة الأولى، لذلك فالسلطات من واجبها القيام بهذا الدور الذي نراه غائبا في أغلب الأحيان وتدخلاتها لا تتم إلا بعد وقوع حادث ما”.

رغم تعدد وجهات النظر إزاء الموضوع، إلا أن الواقع يقول بكون السياسة المتبعة من طرف الدول حيال هذه القضية لازالت تشوبها بعض النواقص أو أن نتائجها لم تبرز بعد بفعل حداثتها، فمن اللازم والآني إيجاد بدائل لاحتواء الأعداد الهائلة من المهاجرين القادمين من دول افريقية، عبر توفير العمل والتطبيب والتكوين والمواكبة المستمرة والتحفيز على الإنتاج في مقاولات متوسطة أو صغيرة.

أسباب تحول المغرب إلى دولة استقبال

ويرى صبري الحو أن ” سياسة إغلاق الحدود الأوروبية ومراقبتها من البر والجو والبحر بقيت بعيدة في أن تشكل عائقا ماديا يحول بين الشباب في تحقيق حلم وطموح الهجرة إلى أوروبا، فظهرت محاولات ناجحة للهجرة، والسفر خارج نقط العبور المعتادة من مطارات وموانئ ومراكز الحدود البرية، واتخذت مغامرات السفر والهجرة مسارات سرية، ووعرة، وباستعمال وسائل خطيرة، أو عبر معابر نظامية، باستعمال هويات مزيفة، وهو الشيء المعبر عنه تارة، بالهجرة غير الشرعية، وتارة أخرى بغير القانونية، وأحيانا أخرى بالسرية، أو غير النظامية”، مضيفا أن “الدول الأوروبية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي، بعد نجاح المهاجرين في دخول إقليمها بأعداد غفيرة يوميا، ومرد ذلك قدرة الشباب المهاجر الخارقة في تخطي الحواجز المادية والقانونية والتكنولوجية، ولو تطلب الأمر تضحية ومغامرة بالنفس، و تقديم الروح فداء وقرباناً للحلم بالحياة، فعمدت الدول الأوروبية في البداية إلى توحيد سياساتها في ميدان الهجرة، منذ قمة تامبير 1999، ولهاي 2004 وستوكهولم 2008، وجعلت من أولى أولوياتها، محاربة الهجرة غير القانونية؛ حيث تحولت سياسة الحيلولة دون ولوج الشباب الأفريقي لأوروبا، إلى تدابير مادية تمنعهم، وقواعد قانونية زجرية تعاقبهم على مجرد ممارسة الحق في مغادرة أوطانهم”.

“فقد أدرك خبراء وسياسيو أوروبا أن هذه السياسة، وهذه التدابير لن يكتب لها النجاح ما لم تنخرط في تنفيذها دول المصدر ودول العبور، فبدأ مسلسل توريط هذه الدول قانونيا وفعليا عن طريق إبرام اتفاقات ثنائية معها، تحت اسم التدبير التعاوني في ميدان الهجرة، تضع بموجبها دول الإستقبال الأوروبية إلتزاما على عاتق دول المصدر في أفريقيا، وواجبا بالمساهمة والمشاركة في مراقبة و صدِّ أفواج الهجرة، والحد منها ومراقبتها، وقبولها بترحيل المهاجرين من مواطنيها إليها”، يقول لحو ثم يضيف، “و في مقابل هذا التعاون، فإن دول العبور والمصدر تستفيد من حصة في الهجرة الشرعية، ووعود من أجل الدعم و المنحة، و المساعدة بعناوين متنوعة، بحسب كل مرحلة؛ منها المساعدة من أجل التنمية، أو الشراكة من أجل التنمية، أو مساعدات في إطار الوضع المتقدم، الممنوح لبعض الدول، منها المغرب وتونس، ولا يتعدى في أحسن الأحوال ما تخصصه الدول الأوروبية لأداء التزامها المذكور، نصف نقطة من ناتجها الوطني”.

ويوضح المتحدث أن “تلك السياسة نتج عنها وقوع دول الشمال والغرب الإفريقي في فخ وخطيئة اتفاقيات التعاون في ميدان تدبير الهجرة، عنوانها الأساسي، فرض الدول الأوروبية عليها واجب مراقبة حدودها الخارجية، بل و قبولها أحيانا بالمساهمة البشرية الأوروبية في الفعل المباشر لعمليات المراقبة، فوق إقليم بعض الدول الأفريقية، و في مناطق محددة معروفة بنقط العبور السرية السوداء، وخاصة على السواحل المغربية والموريتانية، حيث تشارك قوات من حرس خفر السواحل الإسباني مع القوات المساعدة المغربية، أو مع القوات الموريتانية.

مبادرة الدولة المغربية

شرعت الحكومة المغربية مطلع سنة 2014 في تسوية أوضاع آلاف المهاجرين عبر عملية “تسوية” التي أشرف عليها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، حيث تمت تسوية وضعية 23.096 شخصا بنسبة 82 في المائة من الملفات المتقدم بها، حسب أرقام رسمية أصدرتها اللجنة الوطنية للطعن، التي يرأسها ادريس اليزمي، وذلك في إطار السياسة الوطنية الجديدة للهجرة واللجوء على إثر التوجيهات الملكية في هذا المجال والمعلن عنها في شتنبر 2013، والتي مكنت من فتح مكتب اللاجئين والنازحين، وتعميم الدوريات التي تتيح لأبناء المهاجرين من ولوج المدرسة العمومية (التعليم الرسمي وغير الرسمي) واعتماد القانون 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر وتقديم مشاريع القوانين المتعلقة باللجوء والهجرة.

ووفقا لما أعلن عنه اليزمي في نونبر الماضي فإن “المرحلة الثانية من عملية تسوية أوضاع المهاجرين في وضعية غير قانونية، والمستمرة إلى غاية 31 دجنبر 2017، تطمح إلى تحقيق نسبة تسوية تبلغ على الأقل 82 بالمائة من الملفات المعروضة، على غرار العملية الأولى (تسوية2014)”، مشيرا إلى أن “المعطيات العامة لوزارة الداخلية حول هذه العملية أظهرت التوصل بحوالي 26 ألف طلب تسوية الأوضاع”.

اللجنة المذكورة أفادت أن عملية تسوية 2017 التي تم إطلاقها بشكل فعلي في 15 دجنبر 2016 أسفرت عن تجميع 25.960 طلبا على مستوى 70 عمالة وإقليما، قدمها 58.32 بالمائة من الرجال، و32.95 بالمائة من النساء و8.73 بالمائة من القاصرين، فيما بلغ مجموع الملفات المعالجة إلى حدود أواخر نونبر المنصرم 23775، من بينها 11565 ملفا تمت الموافقة عليه، أي ما يمثل (46 بالمائة)، على مستوى اللجان الإقليمية.
كما قررت اللجنة، بعد اجتماع حضره أعضاءها الذين يمثلون مختلف القطاعات الوزارية والمجتمع المدني، وعبد الكريم بنعتيق، الوزير المنتدب المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، وخالد الزروالي، الوالي مدير شؤون الهجرة ومراقبة الحدود بوزارة الداخلية، (قررت) تشكيل لجنة تقنية أخرى تتولى فحص الطلبات المتبقية التي رفضتها اللجان المحلية، والتوصية بتسريع عملية اعتماد القوانين المتعلقة على التوالي باللجوء وإصلاح القانون 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة، وفقا لما جاء في بلاغ لذات الهيئة.

وفي ذات السياق، يؤكد الخبير صبري الحو أن ” المغرب استشعر احتمالا كبيرا في تحوله إلى نقطة جذب مستقبلية للمهاجرين بعد أزمة المهاجرين في ليبيا ومشاكل سقوطهم ضحايا للجريمة المنظمة واستغلالهم في إطار الاتجار بهم، فطلب المغرب من أوروبا خلال القمة الخامسة للاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي إلى تطوير سياستها في ميدان الهجرة، وفِي ذلك يشير إلى تيسير مبدأ التنقل والحركة في إطار نظامي، وخلق فرص الشغل عن طريق إحداث وحدات إنتاجية في كلتا القارتين واعتماد مبدأ المسؤولية التشاركية للهجرة مع الاتحاد الأفريقي الذي سيؤول له اختصاص تدبير السياسة الأفريقية في الميدان على غرار الإتحاد الأوروبي”.

هي أفكار وحلول واقتراحات واقعية، إلا أن فرضها على أوروبا التي اجتهدت ولازالت تجتهد منذ سنة 1999 لتوحيد سياستها، يعتبر بعيد المنال لأن الدول الأوروبية لن ترضخ للإتحاد الإفريقي.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد